( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
على الرغم من المواقف المعلنة والتصريحات المتلاحقة ، حول وحدة الموقف الأوروبي إزاء الحرب الروسية _ الأوكرانية ، فإن أوروبا تعيش، في حقيقة الأمر ، بين نارين، الخوف والقلق المستمرين من ارتدادات العملية الروسية على بقية أنحاء القارة الأوروبية العجوز، والخوف الشديد من صحوة المارد الألماني الذي يسعى إلى استغلال مجريات الأحداث الأوكرانية لإعادة بناء جيش ألماني عظيم وقوي جداً بذريعة حماية ألمانيا وحلفائها الأوروبيين .
 وحدة الموقف الأوروبي المعبر عنها، ليست سوى وحدة ظاهرية ومعلنة تخفي خلفها الكثير من الخوف والقلق والارتباك، ذلك أن الدب الروسي الذي انتظر طويلاً احترام فضائه الجيوسياسي والاستراتيجي، دخل بالفعل بيت الخزف، بعد أن جُوبهَ برفضٍ قاطع لمصالحه ونفوذه الجيوسياسي والاستراتيحي ، الذي ورثة منذ انهيار الاتحاد السوفييتي السابق ، ليجد نفسه محاصراً ضمن استراتيجية محكمة في مجاله الجغرافي الحيوي. ولم تجد دعوات القيادة الروسية قبل عمليتها العسكرية في أوكرانيا أي قبول أو آذان صاغية، لأخذ مصالحها في عين الاعتبار، وإعادة صياغة الأمن الأوروبي على أساس الأمن والأمان للجميع. 
 الواضح تماماً أن أوروبا الخائفة من ارتدادات واستحقاقات العملية الروسية، والتي باتت تخشى من رسم خريطة جيو استراتيجية جديدة للقارة الأوروبية، تحاول تنحية خلافاتها وبعض تناقضاتها جانباً، والتحدث بصوت واحد وقوي في مواجهة روسيا، من دون أن يكون لها القدرة على وقف العملية الروسية في أوكرانيا أو ارتداداتها واستحقاقاتها لاحقاً. 
على الجانب الآخر لم يدر بخلد القيادة الأوروبية وشعوبها التي اكتوت بنيران الحرب العالمية الثانية الحارقة ، أن يظهر من بينها من يثير الشكوك في إمكانية إعادة إحياء الحقبة النازية واستحقاقاتها. 
 فهل كانت ألمانيا الاتحادية تنتظر هذه اللحظة التاريخية، مستغلة الحرب الروسية _ الأوكرانية ورصد مئة مليار يورو، لإعادة بناء جيشها على نحو يتفوق فيه على كل نظرائه في الجيوش الأوروبية على كافة المستويات ، بذريعة حماية المانيا وحلفائها بخاصة في أوروبا الشرقية؟ 

الجدير بالذكر أن حلفاء ألمانيا الاتحادية فد سمحوا بعد جدل ونقاشات طويلة وحادة ، وبعد عشر سنوات من انتهاء الحرب العالمية الثانية أي في عام 1955 بتشكيل جيش دفاعي ألماني، وفق شروطهم وقواعد إدارتهم، وبوجود قواعد لحلف شمال الأطلسي (الناتو) على الأراضي الألمانية. لكن اللافت هذه الأيام هو الحديث عن حماية الحلفاء في شرق أوروبا، وهي دول ضعيفة عسكرياً بشكل عام ، وقد سارع معظمها إلى الانضمام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) طلباً للحماية، وبالتالي فإن هذه الدول تخشى أكثر من غيرها، ظهور دولة قوية عسكرياً وأمنياً واقتصادياً وبشرياً مثل ألمانيا، يمكن أن يؤدي أي خلاف أو توتر معها مستقبلاً إلى اجتياحها. 

من هنا يمكننا العثور على العديد من التساؤلات للباحثين الاستراتيجيين في معظم دول العالم
حول الصحوة الألمانية ، والدخول في سباق تسلح جديد، مع أن هذه الصحوة يبدو أنها لم تكن مفاجئة أبداً ، مع وجود تقارير ودراسات تفيد بأن هذا التوجه تكت مناقشته مراراً وتكراراً في المحافل والأروقة الألمانية. 
قبل تنحي المستشارة السابقة أنجيلا ميركل حيث كان الحديث يدور عن إنشاء جيش أوروبي موحد، بهدف اعتماد أوروبا للدفاع عن نفسها، الآن بدأت معظم دول الاتحاد الأوروبي تخاف من نفسها، وربما تلتقي مع روسيا التي تخشى من اندلاع حرب طاحنة معها في التحذير من عودة الحقبة النازية مجدداً، والأسوأ من كل ذلك أن كل العقوبات والتصريحات والمواقف المتخذة ضد جمهورية روسيا الاتحادية ، لإظهار وحدة الموقف الأوروبي، تقوم على كم هائل من الخلافات والشكوك الداخلية وجميعها مشوب بالحذر ، بينما تمضي جمهورية روسيا الاتحادية في رسم خريطتها الجيوسياسية والجيواستراتيجية على طريقتها ومنهجها الخاص بها .