عندما قرأت عنوان الديوان (ما يرسم الغيم) لم يتضح لي مقصود الشاعر وهيب نديم وهبة ؛ فالحرف «ما» في العنوان حرف ملبس لاحتماله أكثر من دلالة: فقد يكون اسمًا موصولًا بمعنى «الذي» (الذي يرسمه الغيم)، وقد يكون حرفًا مصدريًّا (رَسْمُ الغيم)، وقد يكون حرف استفهام (ماذا يرسم الغيم)، وهذا ما أراده الشاعر؛ فقد أراد مشاركة القارئ في التحليق فوق الغيم (الشعر) لكون الشعر يسمو في الترميز والانزياح.
ولقد اختار الشاعر رسومات «الغيم» لأنها حركات عشوائية تخيلية تتراءى للناظرين بحسب تخيلات كل ناظر وحالته النفسية؛ والشاعر محروم من محبوبته التي هي بلاده (غَمَسَ يَدَيْهِ بِمَاءِ الْعِشْقِ وَالْحِنَّاءِ وَالدِّمَاءِ... وَكَتَبَ بِلَادِي فَوْقَ الصَّدْرِ وَعَاتَبَ الْوَرْدَةَ... وَغَابَ فِي التُّرَابِ وَالشَّجَرِ)، ولا يملك الشاعر لقاء محبوبته والاستمتاع بها حقيقة إلا عبر سفر الروح، ولا حيلة له إلا باستدعائها طيفًا (فُسْتَانُكِ الْأَخْضَرُ الْمَشْغُولُ... خَيَالُ شَاعِرٍ)؛ ويتطلب استدعاؤها طيفًا أن تسافر روحه لأداء هذه المهمة ومنح محبوبته مفاتيح الحياة (فَكَيْفَ لَا... لَا... لَا تُسَافِرُ الرُّوحُ وَتَمْنَحكِ مَفَاتِيحَ الْحَيَاةِ)
أو أن الشاعر أراد أن يستدعي طيف محبوبته من خلال تأملاته في سحب السماء المرعدة المبرقة، ويكون الغيم -حينئذ- فرصة لاستدعاء محبوبته بالصورة التي يتمناها، وهي صورة العروس المزينة في ثيابها المبهجة (وَمِيضُ الْبَرْقِ... أَعَادَكِ مِنْ سَفَرِ الرُّوحِ عَلَى جِرَاحِ الْقَصِيدَةِ... عَرُوسًا بِبَدْلَةٍ بَيْضَاءَ وَحَمَائِمَ مِنْ غُيُومٍ وَطَرْحَةٍ مِنْ دُمُوعٍ تَفْتَرِشهَا مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ لِوَجْهِكِ الْغَارِقِ فِي الذَّهَابِ وَالْغِيَابِ...)
لقد جعل الشاعر من «الغيم» مسرحًا مفتوحًا ومجالًا لتأملات ما يرسمه «الغيم» أمام ناظريه حول محبوبته التي حرم منها حقيقة ولا يستطيع الاستمتاع بها، ولكنه لا يملك إلا أن يستحضرها في خياله وفيما يتراءى أمام عينيه من ترسيمات «الغيم». وقد أعلن الشاعر عن محبوبته (فلسطين)، من خلال الأماكن التي دل عليها بها (دير المحرقة الكرمِليّ، بَرَارِي الْكَرْمِلِ، وَقُبَّةً، وَصَخْرَةً الْقُدْسُ، وَكَنِيسَةً تَشْهَدُ الْقِيَامَةَ، في أَرْضِ كَنْعَانَ، وَعَكَّا امْرَأَةٌ، شَوَاطِئِ حَيْفَا، مِنْ بَيَّارَاتِ يَافَا، وَعِنَبَ الْخَلِيلِ... وَلَوْزَاتِ الْقُدْسِ، يَعْشَقُ غَابَاتِ نَخِيلِ أَرِيحَا، وَبَيَّارَاتِ يَافَا... وَبَحْرَ حَيْفَا، يَفُوحُ كَرْمِلُ جَفْرَا).
وكشف الشاعر في مقدمة إبداعيته المخملية الجديدة (ما يرسمُ الغيمُ) عن غايته التي يأملها من هذه الإبداعية، فأشار إلى أنها صدرت «تحليقًا في المحبّةِ المطلقةِ للإنسانيّةِ في مكنونِ النّفسِ البشريّةِ الصّوفيّةِ، في فَناءِ النّفسِ بالزّهدِ والتّقشّفِ والتّسامي للأعالي؛ فوقَ كثافةِ الحقدِ والعنصريّةِ وأثقالِ الجسَدِ، وفي قيمةِ الإنسانِ في بناءِ الكونِ معَ الإيمانِ والمحبّةِ لكلِّ شعوبِ الأرضِ»
والشاعر -بكشفه عن غايته- يقدم للقارئ تصورًا للمحبة من زاوية الرؤية التي يقف فيها الشاعر، والتي تنفرد عينه بالتقاطها: فهي محبة من نوع خاص لا يألفها كثير من الناس، محبة ممزوجة بالمشارب الصوفية التي تلزم النفوس -عادة- بما يثقل عليها أداؤه، والنفوس لا يصلحها إلا كل ثقيل كريه، ولعل ثقل هذه المحبة وكره النفوس لها بسبب خلوها من المصالح وتساميها فوق الدنايا والأغراض، وهي محبة لا تعرف تمييز جنس على آخر ولا لون على آخر، ولكنها مكفولة لكل الإنسانية ولكل شعوب الأرض؛ لأنها نابعة من الإيمان الصادق بالإله الواحد رب الوجود وخالق الأكوان.
كما أعلن الشاعر في مقدمة عمله أن إبداعيته انعكاس لهمس أرواحنا الداخلية حين تخبرنا بأن «حياتنا فانيةٌ وعملُنا؛ الخيرُ والمحبّةُ والسّلامُ، هو ما يمكثُ في الأرضِ» والشاعر -بهذه العبارة- يستدعي في خلفية إشارته لهمس الأرواح قوله تعالى «كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ» (الرعد 17)؛ فالحياة فانية ولا يبقى فيها إلا الحق، وهو الراسخ الثقيل من الأعمال الطيبة التي تمكث في الأرض لرسوخها وثبوتها، وأما الباطل فلا يمكث في الأرض ولا يبقى في الحياة لخفته وهشاشته، فما صرح به الكاتب في عبارته هو فناء الحياة وبقاء عمل الخير من المحبة والسلام، وما سكت عنه الكاتب هو قضية الحق والباطل، ولكنه سكوت مفهوم بالإشارة القرآنية التي ضمنها في قوله «يمكثُ في الأرضِ» لأن هذا العمل دعوة للمحبة والسلام في حياة فانية لا يبقى فيها إلا النافع الطيب من أعمال الخير والمحبة والسلام.
إن الشاعر يعاني مرارة القهر والاضطهاد في زمن الغربة الذي تنوعت فيه الأعداء وتلون فيه الحاقدون الحاسدون بشتى ألوان الحقد وأطياف العداوة، ولم تعد العداوة قاصرة على الغريب الذي يريد اقتلاع القدس وتهويد فلسطين، وإنما اجتمع معهم في العداوة قوم من الأقرباء والأصدقاء من أبناء العروبة والدين (يَقْلَعُنَا الْغَرِيبُ وَيَقْتُلُنَا الْقَرِيبُ وَالصَّدِيقُ، أَبْنَاءَ عُرُوبَتِنَا...) وكأن غربة أهل الأوطان عن بلادهم مخطط إبليسي حشد له إبليس كل جنوده من أهل العداوات والحقد الدفين.
ومع أن الشاعر وهيب نديم وهبة تسيطر عليه حالة من البؤس واليأس والحزن الدفين، إلا أنه يحمل في طيات نفسه أمنيات لاغتنام فرصة للفرح، باحثًا عن لحظات للسعادة، وفرجة للأمل ويسعى إلى فهم حقيقة الحياة.
إن الشاعر يبحث عن حق أصيل من حقوق الإنسانية، وهو العيش الآمن الذي تدل عليه راحة القلوب وسعادتها، فيبحث عن حالة من حالات السعادة التي يضحك لها قلبه، وربما يؤدي به عناء البحث إلى لحظة من لحظات الضجر بالطبيعة، وكأن الحزن مكتوب عليه كتابة أبدية، وكأن الضحكات التي تسعد القلوب قد خلقت لغيره (مَاذَا سَتَخْسَرُ السَّمَاءُ...؟ لَوْ يَضْحَكُ هٰذَا الْقَلْبُ مَرَّةً؟ لَوْ يَضْحَكُ هٰذَا الْقَلْبُ مِلْءَ الْقَلْبِ مَرَّةً...؟ مَاذَا...؟ أَيَسْقُطُ كَوْكَبٌ...؟ أَيَتَغَيَّرُ فَصْلُ الصَّيْفِ شِتَاءً؟)
لقد قدم الشاعر وهيب نديم وهبة بين يدي كل قصيدة بقول مأثور لأحد القدماء أو المحدثين من المفكرين أو الأدباء ليؤدي ذلك القول المأثور ثلاث وظائف:
إحداها: ليكون وسيلة للإعلان عن مصادر ثقافته المتنوعة التي لا تكتفي بالعلوم الأدبية فحسب، وإنما تجمع إليها تعدد الثقافات من الفلسفة والفكر والتصوف والتاريخ والعلوم الشرعية في القديم والحديث؛ فقد استدعى الشاعر أقوالًا لكل من: جلال الدّين الروميّ، وشهاب الدّين السّهرورديّ، ومحيي الدّين بن عربيّ، وإدوارد وديع سعيد، وجبران خليل جبران، وسعود السنعوسيّ، وإبراهيم الفقي، ومصطفى محمود، والحسن البصريّ، والشّيخ محمّد الغزاليّ، والفيلسوف سُقراط، والمهاتما غاندي، والشّمس التبريزيّ، ونبي الله إدريس (هرمس).
والوظيفة الثانية: لتكون تلك الأقوال عونًا على فهم مراد الشاعر ومقاصده لكونها من النص في مكان العنوان له والمفتاح لسبر أغواره وفك رموزه.
والوظيفة الثالثة: لتمتزج القصائد بأقوال السابقين، وأن ما يقوله الشاعر اليوم إنما هو إعادة عرض لإبداعات السابقين ونتاجهم، فهو لا يختلف في توجهاته عنهم، وإنما هو متشبع بثقافتهم ويعيد إبداعاتهم برؤيته في شكل يلائم موهبته ولغة عصره.
واستطاع الكاتب -باقتدار- توظيف قصة يعقوب مع أبنائه الذين كادوا لأخيهم «يوسف» وتخلصوا منه بإلقائه في البئر، ورجعوا إلى أبيهم زاعمين أن الذئب قد أكله، ولما كلم يعقوب الذئب أنطقه الله بأنه بريء من دم ابنه، وقال قولته المشهورة: «وَتَاللهِ لَا أَقَمْتُ في بِلَادٍ يَكْذِبُ فِيهَا أَوْلَادُ الأَنْبِيَاءِ عَلَى الوُحُوشِ»، فاتخذ الشاعر من تلك القصة مغمزًا على سلالة الكذابين من أولاد الأنبياء، الذين ينتهكون حدود الله تعالى ويعتدون على حقوق خلقه في العصر الحديث: بالقتل واغتصاب الأراضي وانتهاك الحرمات؛ ولا غرو فقد ارتكب أجدادُهم -من قبل- أشد من ذلك، بالتخلص من أخيهم والكذب على أبيهم حتى استجار الذئب من أفعالهم، وأقسم ألا يجاورهم في مكان واحد.
فاستدعى الشاعر تلك القصة واتخذ منها إسقاطًا على وطنه وأحوال قومه؛ لأن «يعقوب » هو إسرائيل، وسلالة أولاده أساؤوا لاسمه في العصر الحديث امتدادًا لخيانة أجدادهم من قبل (وَطَنِي عَلَى قُضْبَانِ الْحَدِيدِ يَصْيِحُ يَا... يَا ذِئْبُ، كَيْفَ اغْتَالُوا فَرَحِي، كَيْفَ كَذَبُوا وَالْخَدِيعَةُ اسْتَتَرَتْ، في أَقْنِعَةِ الْقَدَاسَةِ، كَيْفَ فِي أَغْلِفَةِ الرِّيَاءِ بَاعُوني، أَلَسْتَ هُنَا... أَمَا أَبْصَرْتَ في وَهْجِ الْبَصِيرَةِ، كَيْفَ يَمْشُونَ فَوْقَ جِرَاحِنَا، كَيْفَ يَحْتَفِلُونَ في مَأْسَاتِنَا، كُنْ مَعِي "يَا ذِئْبُ"، وَاصْدُقْنِي الْعِبَارَةَ... كَفَنِي في كَفِّي... أَلَيْسَتْ إِشَارَةً تَمُوتُ هُنَا... تَمُوتُ في بِلَادِ الْأَنْبِيَاءِ، مَا بَيْنَ الْجُرْحِ وَالْخِيَانَةِ وَالرَّصَاصَةِ)
ولا يجد الشاعر وهيب نديم وهبة ملجأ لتفريجه همه سوى باللجوء إلى مولاه والتضرع إليه وحده لكشف الضر ورفع البلاء، ليتمكن -هو وقومه- من التحرك في الأرض باطمئنان وسلام: فيلجأ إلى ربه بتضرع صوفي لا يدعو فيه بالشر على أعدائه ولا بإهلاكهم، وإنما يدعو فيه بإعادة برمجتهم البرمجة الإنسانية الراقية التي تمتلئ بالمحبة وحب الخير للناس، والتي تخلو من نيران الحقد الهمجية (يَا رَبُّ... أَخْمِدْ لَهِيبَ نِيرَانِ الْحِقْدِ الْهَمَجِيَّةِ، اسْكُبْ طِيبَ مَحَبَّتِكَ فِي خَلَجَاتِ الرُّوحِ زَرْعُكَ نَحْنُ... زَرْعُكَ نَحْنُ... يَا رَبُّ ارْحَمْنَا... اجْعَلْ مَطَرَكَ يَغْسِلُ خَطَايَانَا، جَوَارِحِي سَجِينَةٌ... حَرِّرْنَا، كَيْ نَجُوبَ فَضَاءَ الْحُرِّيَّةِ بِالِاطْمِئْنَانِ وَالسَّلَامِ) ويشارك الشاعرَ في تضرعه دموعُه الصادقة علها تكون شفيعًا لديه عند ربه في إجابة دعائه أن يخلصهم من عتمة الغفلة وأن يضيء لهم أنوار الحق حتى يتمكنوا من استبصار كتابه وإدراك رسالته السماوية (دَمْعُ قَصِيدَتِي يَجْرِي الْآنَ... مِنْ أَوَّلِ الْحَرْفِ إِلَى آخَرِ الْكَلِمَاتِ – كُن مَعِي – انْتَشِلنَا مِنْ عَتَمَةِ الْغَفْلَةِ افْتَح لَنَا أُفُقًا مِنْ بَلُّوَرٍ... كَيْ يَدْخُلَ النُّورُ... كَيْ نُبصِرَ كِتَابَكَ «كِتَابَ السَّمَاءِ»).

ما يرسم الغيم / دراسة وتحليل: أ.د. محمد مصطفى منصور / جامعة الفيوم - كلية دار العلوم - قسم الدراسات الأدبية- جُمهورِيّة مِصر العربيّة.