الحياة برس - مع إندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا، إنشغل العالم بأخبار تلك الحرب وانهارت أسواق عالمية وتراجعت عملات مما تسبب بخسائر كبيرة للمستثمرين، في حين ارتفع الدولار مع إرتفاع الذهب والنفط لأسعار قياسية.
هذه الأحداث النوعية التي لم يشهد لها الغرب مثيلاً منذ الحرب العالمية الثانية، أشغلت الرأي العام العربي، فالجميع يتسائل عن المخاطر التي تحملها الأزمة الروسية الأوكرانية للدول العربية، ومخاطرها، وكيف يمكن تجنب آثارها السلبية والتعامل معها؟.

ملف الطاقة

العقوبات التي أعلنتها الدول السبع على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية بحق روسيا، ما زالت بعيدة حتى الآن عن ورقة النفط والغاز الروسي، وما زالت الإمدادات الروسية كما هي، وهو سلاح ذو حدين، حيث أن دول الإتحاد الأوروبي تعتمد بنسبة تزيد عن 40% على الغاز الروسي، وأكدت الجهات الرسمية الروسية على لسان وزير الطاقة الروسي نيكولاي شولغينوف أنها ما زالت ملتزمة بالاتفاقات الموقعة وتعمل على تزويد الدول المعنية بالكميات المتفق عليها.
أما فيما يخص خط الغاز الروسي "نورد ستريم2" هو مشروع جديد بطول 1200 كيلومتر، يصل ما بين غرب روسيا إلى ألمانيا عبر بحر البلطيق، وتم توفير تكلفة إنشائه من شركات روسية وأوروبية، ويهدف لتوفير 55 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً، ولم يدخل الخدمة بعد، وتم إتخاذ قرار بتأجيل تشغيله بعد اعتراف روسيا بجمهوريتي دونيستك ولوهانسك.
وتواجه هنا ألمانيا معضلة كبيرة، حيث أنها تعتمد على الغاز الروسي بنسبة 65%، ولا يوجد لديها محطات لإستيراد وتخزين الغاز المسال.
ورغم أن السوق الأوروبية سوق كبيرة للغاز الروسي، إلا أن روسيا وقعت عقود طويلة الأمد مع الصين، حيث يمكنها الإعتماد على السوق الصينية بديلاً عن أوروبا.

الدور العربي في أزمة الطاقة

الأوروبيون الآن ينظرون بإهتمام للدول العربية المنتجة للغاز وعلى رأسها قطر والسعودية والجزائر، حيث يرون أنها دول يمكنها أن تسد النقص في إمدادات الغاز والنفط لأوروبا، والعمل على تخفيف الإضطرابات في السوق العالمي.
وكان هناك إهتمام أمريكي قبل الأزمة بالتفاوض مع قطر من خلال لقاء الرئيس الأمريكي جو بايدن مع الأمير القطري تميم بن حمد آل ثاني خلال زيارة الأخيرة لواشنطن في نهاية يناير الماضي.
ويرى مختصون بأن استيراد الغاز من كبار منتجي الغاز الطبيعي في العالم مثل قطر واستراليا وأمريكا وغيرها، سيعمل فقط على تخفيف حدة الضرر ولن يكون بديلاً كافياً عن الغاز الروسي بالفترة الحالية على الأقل.
وذلك بسبب التزام قطر واستراليا بعقود مع مستهلكين في آسيا، مع وجود صعوبات لوجستية في تصدير الغاز المسال لبعض الدول الأوروبية، وهنا ستضطر بعض الدول لدفع مبالغ كبيرة لشراء الغاز مما سيكلف الاقتصاد الأوروبي كثيراً.

النفط وتأثيره على أسعار البضائع

ارتفع سعر برميل النفط مع بداية الحرب الروسية الأوكرانية ليصل لمستويات قياسية هي الأولى من نوعها منذ 7 سنوات، حيث تجاوز سعر البرميل الـ 100 دولار، وهو ما سينعكس سلباً على الاقتصاد العالمي وأسعار البضائع.
وحاولت الإدارة الأمريكية اقناع الدول العربية المنتجة للغاز والنفط، زيادة انتاجها لتعويض النقص، لمنع ارتفاع الأسعار بشكل كبير.
ورغم أن ارتفاع أسعار النفط يخدم الدول العربية المنتجة للنفط بشكل كبير، إلا أن هذا الأمر سيضر دولاً كثيرة أخرى، حيث أن إرتفاع النفط سيؤدي لإرتفاع تكلفة انتاج المواد الغذائية عالمياً، مما يعني إرتفاع لأسعار البضائع.
الدول العربية تستورد سنوياً ما يقدر بـ 120 مليار طن من المواد الغذائية أغلبها يأتي من أمريكا، وسيزيد تكلفة إستيرادها مما ينعكس سلباً على حجم العجز في ميزانها التجاري، وسيكون الأمر كارثياً على الدول العربية الغير مصدرة للنفط.

تأثير حرب روسيا واوكرانيا على الأمن الغذائي العربي

تواجه الدول العربية كافة تحديات خطيرة يتمثل بالأثر الذي سيخلفه الصراع الروسي الأوكراني على امدادات المنطقة العربية بالمود الزراعية، خاصة القمح.
تمثل صادرات أوكرانيا وروسيا من القمح في السوق العالمية ما نسبته 23%، وتوردان ربع إنتاج الحبوب في العالم.
منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا اعتمدت بنسبة 40% على صادرات أوكرانيا من الذرة والقمح خلال عام 2021، وفقدان أو تأثر هذا المصدر يعني وجود خطر حقيقي على الأمن الغذائي في المنطقة.
ومن المتوقع أن ترتفع أسعار البضائع مرة أخرى في ظل إرتفاعها وبلوغها لمستويات قياسية بسبب أزمة كورونا، بالإضافة للإرتفاع في الأسعار بشكل كبير في المنطقة العربية بسبب "الصراعات السياسية والحروب والإنهيار الاقتصادي".
وستواجه كلاً من مصر التي تعد أكبر مستود للقمح في العالم، ولبنان واليمن وليبيا وغيرها أزمة كبيرة في هذا الملف.
الولايات المتحدة ستكون المستفيد الأكبر من هذه الأزمة، حيث أنها ستتربع مع كندا واستراليا على عرش تعويض الإمدادات الروسية الأوكرانية، مما سيزيد من نفوذها، ولكنها ستكون بديلاً باهظ الثمن.
وفي حال الإتفاق على توريد القمح من الدول البديلة، ستواجه الدول العربية أزمة في النقل، حيث أنها كانت تعتمد على نقل السلع الزراعية من روسيا وأوكرانيا عبر البحر الأسود، ما يعني وجود تكلفة إضافية على نقل السلع.

الأزمة الإنسانية العربية

ومع إندلاع الحرب في أوكرانيا، سيخلف ذلك الآلاف من اللاجئين والنازحين، مما يجبر الدول الأوروبية لتحويل مساعداتها لصالح النازحين الجدد في أوكرانيا، بعيداً عن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
مما سيزيد من المعاناة لدى اللاجئين في اليمن وسوريا وتركيا ولبنان، ومخيمات اللجوء الفلسطيني في لبنان والأردن والضفة الغربية وقطاع غزة.


المصدر: الحياة برس