( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
رغم الملايين التي تدخل الى غزة تحت مسمى مساعدات إنسانية ومشاريع تطويريه , الى أن نزول المطر لمدة ساعتين متواصلتين كفيل أن يغرق غزة , وفي كل موسم شتاء يطفو على السطح مصطلح ما يسمى بحصار غزة (...) فهذا المصطلح المزعوم أصبح مملاً ومزعجاً لشعب له حكومتين , فهذا الشعب لا يملك السؤال عن الأموال الطائلة التي يدفعها من جيبه والتي تتمثل بالضرائب , ولا يملك السؤال عن الأموال التي تأتي بإسمه وتتمثل بالمساعدات الإنسانية والمشاريع التطويرية , فهو لا يملك إلا أن يلعب دور البطولة في المشهد المأساوي والمتكرر في الدراما الفلسطينية تحت مسمى "حصار غزة" ورغم أن إسمها الحقيقي "الإنقسام" إلا أن المنتجون لهذه الدراما رأو أن إسم حصار غزة هو الأكثر تشويقاً وتسويقاً في دور العرض العالمية وشاشات الفضائيات .
إن البنية التحتية في قطاع غزة تعاني من ثلاث مشاكل رئيسية ومن ثم تتفرع منها كل المشاكل المتراكمة سواء على المستوى المالي أو على المستوى الإداري والفني , المشكلة الأولى هي أن جميع المساعدات التي تأتي الى غزة سواء بشكلها العلني أو من تحت الطاولة , كفيلة أن تحل مشاكل غزة بالكامل أو على الأقل الجزء الأكبر منها , ولكن أصحاب القرار في غزة فكرو في الأمر بطريقة سياسية تناكفية وجكرية وبعيدة كل البعد عن المهنية , ومن ثم رأو أن حل مشاكل غزة بالكامل يعني أن غزة ليس محاصرة , وهذا يعني أن حكومة أمر الواقع في غزة ستدور في فلك آخر وهو المسؤولية الكاملة عن مقدرات غزة كونها تحكمها بشكل مباشر وتسيطر على كل كبيرة وصغيرة فيها , ولذلك رأو أن إستمرار مأساة غزة هو إستمرار لحكمهم لغزة بالطريقة التي يريدونها هم وليس الطريقة التي يريدها الشعب , فأصبحت الأموال والمساعدات التي تدخل غزة معلومة المصدر ومجهولة التصريف , وبغض النظر عن الأموال مجهولة المصدر .
أما المشكلة الثانية فهي مشكلة إدارية وفنية , فكثير ما نجد أن بعض المشاريع المدعومة من الخارج والتي تأتي الى البلديات ويتم الإعلان عنها من المانحين أنفسهم , نجد أنها تعالج المظهر الخارجي للمدينة أو القرية أو الحي , وتترك البنية التحتية كما هي , بمعنى أنه يتم تبليط شارع أو رسفه أو زرعه أشجار أو تزيينه , دون أن يتم تغيير شبكات الصرف الصحي فيه , رغم أنها متهالكة وضيقة وبحاجة الى تغيير أو صيانه , ولا تستوعب نزول مياه الأمطار حتى ولو لنصف ساعة فقط , وهذا من الناحية الهندسية كما لو أنه تم بناء منزل جميل ومزين على قواعد هشة وآيلة للسقوط , وهذا الخلل الفني والهندسي يتطلب من أصحاب الضمائر الحية في المؤسسات المعنية , أن يحاسبو كل مهندس فاسد أوكل مهندس يحمل مسمى مهندس وهو لا يعلم شيئ عن الهندسة .
أما المشكلة الثالثة وهي تكمن في إستنزاف وإستغلال طاقات البلديات لصالح بناء الأنفاق والبنية التحتية العسكرية في غزة , وهذا بالإضافة الى أن البنية التحتية العسكرية في غزة بشكل عام تستنزف الجزء الأكبر من الموارد الداخلية والخارجية والتي من المفترض أن يستفيد منها الشعب أولاً لأنه صاحب هذا المال , ومع ذلك فإن الإعداد والتجهيز للمقاومة بحد ذاته ومع إختلاف مسمياته ليس مذموماً بصفته , ولكنه مذموماً بسلوكه وفي حال أن حفر النفق أصبح أهم من حفر شارع بهدف التوسيع والصيانه , وأيضاً يكون مذموماً في حال أن شراء سلاح أصبح أهم من شراء مضخة مياة للصرف الصحي أو شراء قطع غيار للصيانة , فلذلك يجب أن يكون الشعب أولاً لأن الشعب هو الذي يحمي ويحتضن المقاومة وليس العكس , فإذا كان الشعب في غزة هاجر من بيته بسبب الأمطار فكيف سيحمي ويحتضن المقاومة !! وإذا كانت غزة غرقت بشبر مي , فكيف ستحمي وتحتضن المقاومة !! .
أشرف محمود صالح
كاتب صحفي