قال الجد لأحفاده : أتروْن شجرة الزيتون هذه التي نجلس في ظلها ؟ إنَ لها في نفسي ذكرياتٍ كثيرة وعزيزة ، منذ طفولتي المبكرة حتى الآن . إنها تذكرني بجدي وجدتي ، وأبي وأمي رحمهم الله . فقد اعتدنا على أن نتناول غداءنا في موسم الزيتون، في ظلها الظليل الذي يغري بالقيلولة ، وأخذ قسط ٍمن الراحة ، واحتساء كاساتٍ من الشاي الساخن الممزوج بميرمية الجبل ، حيث يعتدل المزاج ،وتروق الأعصاب ، ويدبّ فينا النشاط ، فننهض لمتابعة عملنا في قطف ثمار الزيتون .
       تحت أغصانها الوارفة، كنا نجتمع ، والى جانب جذعها القويّ الممتد في أعماق الأرض ، كنا نضع أمتعتنا وطعامنا وشرابنا .في إحدى السنوات ، وأنا فتى في السادسة عشرة من عمري ، كانت تصيبني حالة من الغثيان ، وفقدان التوازن ، والدوران ، فأشعر أنَ الأرض تدور بي ، وأذكر أنّ هذه الأعراضَ المرضية أصابتني ذات يوم ، وأنا أتسلق هذه الشجرة الحبيبة ، فما كان مني ، إلا أنْ احتضنتُ أحد أغصانها القوية ، وأرخيت جسدي ،وهبطتُ بالقرب من جذعها ، وارتميت بجسدي على الأرض ، حيث كان المكان يدور بي . بعد برهةٍ من الزمن ، وجدتُ إلى جانبِ جذع الشجرة ، عبوة صغيرة مليئة بزيت الزيتون ، فمددتُ يدي ، وفتحت العبوة ، وشربتُ الزيت ، حتى آخر قطرة ، ونمت بعض الوقت ، لأجد نفسي وقد صحوت ، وتعافيتُ من حالة الدوران التي كنت أعاني منها في تلك اللحظة ، بل إنني شفيت تماماً من هذه الحالة المرضية التي لم تصبني فيما بعد.
        وشجرة الزيتون هذه ، كنت أعتني بها ،فأعمد إلى إزالة الأشواك عنها ، وتعشيب أرضيتها الحمراء ، وحراثتها . وكان يحلو لي أنْ أحمل كتبي المدرسية ، وأدرس تحتها ، حيث الهواء المنعش القادم من جهة الغرب، والمحمل بعطر النرجس والميرمية والزرد، وأحيانا كنت أحمل كتاباً ممتعاً وأستغرق في قراءته هنا ، فأحلق في معانيه وأفكاره وكلماته الممتعة .
       ألا ترون يا أعزائي، أنني محقٌ بحبي لهذه الشجرة المباركة التي ما بخلت علينا يوماً ، ولا تنكرت لنا ، فأحبتنا كما أحببناها، ومنحتنا من قلبها المعطاء الفرح والسعادة والوفاء؟
  .