الحياة لا تعترف بالدمِ أو بالخرابِ أو الجنون ، فالعقل البشريّ هو المدبِّر والمحرِّك للحياةِ في كلّ مفاعيلها. والغاؤه يعني التيهَ والتخبط والجنون والضلال. والدم الحي المتدفق ،هو شريان الحياة البشرية ،وقطع أوردتهِ يعني النزف حتى الموت الحتمي البارد، فكيف إذا اجتمع الدم والجنون في أرض واحدة ؟
ما أحدثوه من جرحٍ غائرٍ في جسد أمتنا العربية دفعنا للتساؤل حول من أين يأتي هؤلاءالمتعصبون والمتطرفون والفاشيون من كلّ دين ولونٍ وجنس ؟ هؤلاء هم صنائع خيال طوباوي زائف لنموذج تاريخي مضى وانقضى بظروفه الواقعية والموضوعية في إطارها المكاني والزماني، وهم يفتقرون إلى القدرة الحقيقية على استبصار الواقع العصري باستحقاقاته وتعقيداته التي تتطلب التحديث والتطوير ،وإحسان النظر،وإعمال العقل ،للأخذ من الأصل، لمواكبة العصرالمعاش ، ففضلوا لعجزهم الارتكان والارتهان إلى طوباوية تجاوزها الزمان والتاريخ .وعاشوا في نوستالجيا هجينة وطفولة الحلم الماضي السقيم.
الأمر في حقيقته لا يتعلق بدينٍ بعينه، بل يجد له أصول ومولّدات حركة في الديانات والأيديولوجيات القومية والأيديولوجيات العرقية (الإثنية). ففيما الحياة تمضي قدماً وبخطواتٍ متسارعة ،يرتد أناسٌ إلى خيبة الأمل والعجز واليأس ،ويتحوّل عجزهم عن المواكبة إلى اشمئزاز لعالمٍ لا يدركونهم بعقولهم ولا يفهمونه، يملؤهم بالخوف والهلع والذعر، فيتحصنون بالأحلام السوداوية، والارتداد إلى طفولية التفكير القاحلة، الجرداء، أوعمق العزلة في انتظار الخلاص المتوهَّم والموعود. الخلاص من الحياة بكلِّ مفاعيلها ،أو تخليص الحياة من الدم والعقل.
الفشل وخيبة الأمل المزدوج للمشروعين الوطني والقومي، أو عجزهما وتفشيلهما في الجغرافيا العربية، قد يتقاربان أو يشبهان حالة الفشل وخيبة الأمل والأزمة العميقة والإحساس بالألم والمأساة الإنسانية والكارثة الحضارية التي عاشتها أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى. تلك الحالة ألهمت الشاعر البريطاني توماس ستيرنز إليوت ليكتب قصيدة (الأرض اليباب)،أي أرض الضياع ، التي أهداها إلى زميله الشاعر عزرا باوند. والتي تُعبر عن خيبة أمل جيل ما بعد الحرب العالمية الأولى وتَقزٌزه أو قرفِهِ، وتصوّر عالماً بأكمله مثقّلاً بالمخاوف والهلع والذّعر والشهوات العقيمة. عالماً ينتظر إشارة ما تؤذن بالخلاص النهائي، أو تعدُ به. وهي قصيدة حداثية واسعة التأثير في أربعمائة وأربعة وثلاثين سطراً. كما أنها رؤية واقعية تراوح بين النبوءة والسخرية، وتقتبس ثقافاتٍ متعدِّدة وإشاراتٍ أدبية متعدّدة وملتبسة. من عباراتها الشهيرة: (ابريل يا أقسى الشهور). هذه القصيدة التي يبدأها بعبارة (سأريك الخوف في قبضة غبار) ألهمت أوروبا بعد الحرب الثانية إلى تحقيق ما بات يعرف بالسوق المشتركة والاتحاد الأوروبي.
لذا فإنَّ التحدي الحقيقي لا يكون بالهروب منه ،والتستر خلف راياته السوداء، بل بالارتقاء إلى مستواه بظروفه الفاعلة وشروطه الموضوعية، والتفاعل معه بشكلٍ جدي لتجاوزه إلى تحدياتٍ أكبر، وبذلك تكون الحياة النابضة والإضافة إليها، لا الارتداد والارتكاس والنكوص إلى العزلة والخيالات والطوباوية ،والأوهام الأيديولوجية المريضة ،العاجزة عن التفاعل في الحياة أو تفسيرها.وهنا نتساءل منطلقين من مسؤولياتنا وفهمنا لأرضنا العربية مهبط الرسالات ،ومهد الحضارات الإنسانية، ومركز اختراع الأبجدية الأولى في التاريخ. أليست أرض خصبة وأكبر من أن تترك بيد جهلاء وخاوين من كل مرتكزات العقل والفكر الإنساني ليحيلوها إلى أرضٍ يباب . أرض الضياع بلا ملامح أو شواهد إنسانية أو حضارية ؟
 فماذا نحن فاعلون ؟؟