( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
بعد مرور هذا الزمن الطويل من ظهور فيروس كوفيد 19(كورونا) في شهر آذار 2020 م، وحتى الآن باتت الاقتصاديات في العالم تعاني من الكثيرمن المشاكل من ضمنها بلداننا العربية. لكن من الواضح أنَّ العالم لن ينتظر طويلاً حتى تعود دورة الاقتصاد من جديد حتى تصل إلى طاقتها القصوى ،لكن في حقيقة الأمر، فإن ما بعد جائحة كوفيد 19(كورونا) لن يكون كما قبلها بالنسبة للإدارة الاقتصادية للموارد المادية والبشرية في العالم بشكلٍ عام، وفي بلداننا العربية بشكلٍ خاص. نتيجة لتآكل جزء كبير ومهم ،منها بفعل الإغلاقات القسرية، وانكشاف الاقتصادات العربية على عجوزات مالية ضخمة في موازناتها فاقمت من أزمة مديونياتها الغير متوقعة الداخلية والخارجية.
ونتيجة لحجم الآزمات وتبعات الجائحة بات هناك شبه إجماع بين كبار الاقتصاديين وكبار أصحاب رؤوس الأموال في العالم، بأنَّ الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الراهنة، التي خلفتها الإغلاقات الطويلة للاقتصادات وتوقف عجلة الانتاج الصناعي والتداولات التجارية العالمية، تختلف هذه المرة تماماً عن تلك التي نجمت عن أزمة 2008م. وهي لذلك تحتاج إلى مقاربات علاج متنوعة ومختلفة، وسياسات اقتصادية تطبيقية علمية وممنهجة أيضاً ،مختلفة عن تلك التي اتبعت في معالجة الأزمات السابقة والتي تركت آثارها السلبية على اقتصاد العالم ككل. هذه المرة لم تكن الأزمة الاقتصادية والمالية نتيجة عمل بسيط يمكن اححتوائه والسيطرة عليه بسرعة ويسر. فهي ليست كالمضاربات المالية والتجارية الساخنة، كما أنها ليس أزمة كأزمات الانترنت التابعة لشركات تكنولوجيا المعلومات، التي نُفخ فيها ابتداء من عام 1995م ،وانفجرت في عام 2000م، أوحتى أزمة الرهن العقاري، التي بدأت في الظهور اعتباراً من عام 2004م ،وانفجرت في عام 2008م ،نتيجة تضخيم قيمة المستندات المالية الورقية للأصول العقارية السكنية وتوريقها في صورة ما صار يعرف بالمشتقات ( السفتجة ) – فهذه الأزمة التي أشعلت فتيلها، جائحة كوفيد- 19( كورونا) ، هي حصيلة رزمة من الملحقات والاستحقاقات الواجب سدادها بالسرعة الممكنة، والتي ترتبت على سنوات طويلة من الإغتراف من كافة مصادر نمو الثروة، بوتيرة هائلة بالغة السرعة لم تحفل بمواعيد استحقاقات دفع فواتير هذا الإغتراف اللامنطقي واللامعقول.كما فرضت جائحة كوفيد 19(كورونا) على حكومات الدول للتدخل بشكلٍ مباشر وسريع لإنقاذ الموقف الاقتصادي والتجاري والمالي، ليس فقط لمؤسسات ومرافق الدولة وإداراتها وهيئاتها ،وإنما لشركات ومؤسسات القطاع الخاص أيضاً، أي لعموم مروحة الاقتصادات الوطنية، من خلال ضخ تحفيز مالية دُفعت من حساب السحب المالي على المكشوف، ما ضاعف مديونيات عدد كبير من دول العالم ، المتقدمة منها والنامية.
ليست جائحة كوفيد- 19(كورونا) وحدها من حفّز مثل تلك النقاشات والحوارات الساخنة المحذّرة من عواقب تكرار الممارسات التي ظهرت في سنوات سابقة للأصول، وإنما كانت قد سبقتها مواضيع كبيرة وكثيرة حوادث أثارت الخوف والقلق في الأسواق المالية العالمية، يأتي في مقدمتها اندلاع الحروب الاقتصادية التجارية، خصوصاً بين الدول الكبار، الولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية الصين الشعبية، واللجوء لسلاح الحمائية، وهذا ما أطلق العنان لكثير من التقارير والدراسات والكتابات والتصريحات التي راحت تنعي عصر العولمة بكامل تفاصيلها، وتتحدث عن مرحلة زمنية مبهمة من التحولات السلبية في العلاقات الاقتصادية والتجارية والمالية الدولية. وقد لوحظت غزارة الدراسات والتقارير والكتابات والاجتهادات التي تتحدث عن أنَّ جائحة كوفيد 19(كورونا) قد تشكِّل نهاية مرحلة مضت ،وبداية مرحلة أخرى بعد إسدال الستار على النظام الاقتصادي العالمي الذي بقي يحكم مسار التنمية العالمية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. وذهب بعضها الآخر للحديث عن بداية انتهاء مرحلة تطبيقات منهج النيوليبرالية. بخاصة وإن ممارسات وسلوك ما بعد الركود الكبير جداً عام (2008) م ، أعادت إنتاج الأزمات التي أنشأت وضعاً في السوق العالمية يراوح (توصيفه) بين التباطؤ الاقتصادي، والركود الأمر الذي حيّر الكثيرين من الاقتصاديين ورجال المال والأعمال وأغرى بعضهم لوضع تنبؤاتهم وتوقعاتهم المستقبلية بشأن موعد انفجار الأزمة وتكرار سيناريو أزمة عام 2008 الحادّة .