هناك ..
جنوب الياسمين , داخل مثلّثٍ كُسِّرت أضلاعه بمطارق القادمين من الجحيم .
هناك تماماً , حيثُ غصّ الهواﺀ بفجيعة ماجنة : احتضنتْ جسده المحشوّ بالعتمة والخوف , كان بعضُهُ يفتّش عن بعضِهِ بين أنين الركام ونُتَفِ اللحم البشريّ .
لم يصعد إلى جلجلة الخوف المطلق فيما سبَقْ , القذيفة أخطأت لحمَهُ المزهوّ بالصبا والذكريات , لكنها نجحت في إصابة حلمه الممتدّ من عطش المنفى إلى بحر كنعان . كانت روحه معفّرة بغبار القلق الوجوديّ , المكان اهتزّ في أعماقه حتى أقاصي المخيّلة ورائحة البرتقال , أمّا زمانه فقدْ فقَدَ وعيه منذ النكبة القديمة (المتجددة) .
- أين أنا ؟
- لا تخف , أنتَ هنا حبيبي .
أنقَذَتْهُ بجمالها الفائض عن حاجة الكون , زنّرَتهُ بغزالات روحها الهيفاﺀ ثمّ غسلتْ بكوثرها الأموميّ اختلاج طفل ينزف في عينيه .
كانت خائفةً عليهِ ومنهُ , انهمر دمعها الماسيّ على نحرها , أدرك ذاته في ذاتها , قبّلها بشراسةٍ ناعمةٍ فصفعته بعطر نهديها لتذكّره بأنه مازال حيّاً .
تلألأت بين يديه كمعجزة كما يتلألأ ملاك في قبّة السماﺀ , قبّلها ثانية لينتقم من وداع قادم تبكيه دروب الرحيل .
فكّرَ بالحبّ وهمس لها : للحبّ في الحرب اتساع الوصف , اشتداد الحنين وتشعّب التأويل .
كَفَرَ بالحرب وصرخ في داخله : للحرب في الحبّ انكسار الوردة , انطفاﺀ القلب وانتحار المعنى .
هناك ..
جنوب الياسمين 
داخل مثلّثٍ يحلم بالحياة وينتظر القُبلة الثالثة ..