( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
لم تتوقف الولايات المتحدة الأمريكية عن محاولة العبث وزرع القلق والفوضى في جمهورية الصين الشعبية وإحداث القلاقل والمشاكل داخلها .الملاحظ تماماً أن هناك توتر من نوع ما بين الصين والهند .هذا النزاع بدأ منذ زمنٍ طويل .لكن في المرحلة الحالية بدأ النزاع الجيو استراتيجي حول الحدود بين البلدين .لم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل استمر ليصل إلى حدود المنافسة الجيوسياسية والاقتصادية بين البلدين .هذا النزاع بات يؤثر بقوة في الاستقرار الإقليمي .ويعطي في السياق نفسه الكثير من المبررات الكافية للقوى الدولية المتنافسة من أجل استثمار هذا النزاع بين البلدين لمصلحتها، بخاصة وأن الولايات المتحدة الأمريكية تملك مصلحة مباشرة في دعم الهند بقوة بشكلٍ سري وعلني ،وتغذي جوهر النزاع ليصل إلى حد الصراع ،فقد قامت الولايات المتحدة الأمريكية بالعمل على توريط جمهورية الصين الشعبية في صراع طويل الأمد مع جارتها الكبرى الهند ، بهدف وقف تطور الصين الاقتصادي الذي أصبح من أقوى اقتصادات العالم . ودور الهند في هذا النزاع تغيير مسار القوة العظمى الأولى في العالم وتحويلها إلى دولة عادية غير قادرة على منافسة الولايات المتحدة كقطب أوحد في قيادة العالم . أيضاً تسعى الولايات المتحدة الأمريكية لعرقلة مساعي الصين الرامية لاستكمال وحدتها الترابية وسيادتها من خلال استعادة تايوان التي تشكل رهاناً قوياً وكبيراً في معادلة صراع القوة بين الولايات المتحدة الأمريكة وجمهورية الصين الشعبية.
لقد شهدنا تطورات غير معهودة بين الولايات المتحدة الأمريكية والهند في سياق سعي الولايات المتحدة إلى محاصرة الصين في محيطها الجيوسياسي الإقليمي، من شأنه، بحسب المراقبين والمحللين السياسيين والاستراتيجيين ،أن يجرّ الولايات المتحدة الأمريكية إلى الانخراط في النزاع الحدودي المعقد بين جمهورية الصين الشعبية والهند . فالهند والصين تشتركان في حدود تمتد على مسافة 3,440 كيلومترا وبينها مناطق تتداخلان في إدعاء السيادة عليها. لم يستطع الاستعمار البريطاني في أوج قوته وطغيانه وسطوته أن يحسم ذلك النزاع ، على الرغم من أنه كان يمتلك العديد من أوراق الضغط القوية التي لم يعد أي طرف من تلك الأطراف يمتلكها في المرحلة الراهنة التي تتميّز بتداخل وتشابك غير مسبوق لمصالح القوى الكبرى في منطقة شرق آسيا ،التي أصبحت تمثل شريان الاقتصاد والتجارة على الصعيد الإقليمي والدولي.
هناك الكثير من القضايا الهامة والتفاصيل المرتبطة بالعلاقات التاريخية بين جمهورية الصين الشعبية والهند . إلّا أنّ هذا النزاع الحدودي يعود إلى فترة الاستعمار البريطاني لشبه الجزيرة الهندية، وصار اسمها الهند البريطانية أو الراج البريطاني في اللغة الهندية، كلمة (راج) تعني (الحكم)،أي فترة الحكم البريطاني في المنطقة.وهي المرحلة التاريخية التي استعمرت فيها مناطق الهند وباكستان وبنغلاديش وميانمار بواسطة الامبراطورية البريطانية القوية منذ بداية القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين.
إنّ من يقرأ تاريخ آسيا والقارة الهندية يدرك تمام الإدراك متى بدأت أولى تجليات الحياة الهندية مباشرة بعد استقلالها رسمياً. هذا الاستقلال أوصل إلى حالة نزاع مع جمهورية الصين الشعبية ،وتطور هذا النزاع عام1960م بعد سيطرة الصين على بعض المواقع الحدودية بينها وبين الهند وهما بلدين جارين، ثم تفاقم النزاع واتسع ليتحول إلى حرب عام 1962م ،بخاصة بداية من 10 تشرين الأول من العام نفسه، عندما أخذت الاشتباكات المسلحة وبعض العمليات العسكرية الخفيفة طابعاً أكثر شمولية في منطقة لاداغ التي تعتبر ذات أهمية إستراتيجية بالنسبة إلى للصين والهند ، لكونها تمثل البوابة الرئيسية لحركة التجارة الضخمة مع دول آسيا الوسطى، كما تنظر إليها الهند بوصفها حصناً منيعاً وقوياً ضد المخاطر التي يمكن أن تأتيها من الشمال.حيث يمثل الموقع الذي شهد المصادمات خط الحدود المفروض في الأمر الواقع وليس المتفق عليه بين البلدين، ويسمى خط السيطرة الفعلية في وادي غالوان في ولاية لداخ الهندية على هضبة التبت.
ومن الواضح لنا ولمتابعين لملف هذا النزاع بين الدولتين ، أن محاولة فهم جذوره تتطلب قراءة معمّقة لبداية وصول البريطانيين إلى لاداغ عام 1820 م وإلى غاية مغادرة آخر جندي لهم الهند عام 1947م، حيث لم تتمكن بريطانيا من القيام برسم واضح لحدود المنطقة في مرحلة كانت تعاني فيها الإمبراطورية الصينية ضعفاً شديداً وأزمات متفاقمة عديدة ،وبالتالي فإن الاستعمار البريطاني للهند الذي استمر طويلاً منذ عام 1820 م حتى عام 1947م ، يعتبر في نظر الكثيرين مسؤولاً بشكل كبير عن هذا النزاع بعد فشله في إتمام رسم الحدود بين الصين والهند . تاركاً وراءه جرحاً مدمى مفتوحاً ستكون له تداعيات خطيرة على الأمن والأمان والاستقرار في المنطقة، والعالم برمته، بالنظر إلى حجم القوة البشرية الهائلة والقوة الاقتصادية والعسكرية الضخمة جداً للصين والهند، على حد سواء.
هذا النزاع كان بين جمهورية الصين الشعبية والهند بعد انسحاب البريطانيين من الهند .لكن على الطرف الآخر هناك صراع تقليدي محتدم بين الهند وباكستان يمثل عاملاً آخر من العوامل التي يمكنها أن تُسهم في خلط الأوراق في هذه المنطقة، وإيجاد حالة من القلق والاضطراب .وبخاصة بعد التحالف الذي بدأ يتشكل في أفغانستان بين الصين وباكستان منذ إعلان الولايات المتحدة الأمريكية عن قرارها الانسحاب من أفغانستان، حيث تنظر العاصمة الهندية نيودلهي بكثير من القلق إلى هذا التحالف بين جاريها اللدودين، لاسيما بعد أن أعلنت كل من إسلام آباد وبكين عن رغبتهما المشتركة في تكثيف تعاونهما في أفغانستان بشكلٍ عملي وسريع ،الأمر الذي يدعم التحليلات التي تذهب إلى أن أفغانستان ستصبح مسرحاً لحروب طاحنة بالوكالة بين القوى الإقليمية والدولية وربما تمتد إلى أوسع من ذلك . 
في الختام أرى أنَّ النزاع الذي بدأ يتحوّل إلى صراع وازياد شهوة القتال والحروب بين الهند والصين مرشح، خلال الأعوام المقبلة، لأن يأخذ أبعاداً أكثر خطورة مما يعتقد الكثيرون .هذه الصراعات تندرج في سياق المواجهة المحتدمة في أكثر من منطقة من العالم بين الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وبين الحليفين الصيني والروسي. وعليه فإنه إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد حسمت قرارها بدعم الهند في مواجهتها مع جمهورية الصين الشعبية، فإن جمهورية روسيا الاتحادية لا تخفي قلقها وتوجسها من الآثار السلبية الخطيرة لهذا النزاع بين حليفيها التقليديين في القارة الآسيوية ،في توازن القوى الضخمة بين الشرق والغرب.