( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
ارتبط اسم أفغانستان في ثقافتنا العربية منذ القرن التاسع عشر بالداعية الإسلامي الأكبر جمال الدين الأفغاني الذي يعتبر من أعمدة المفكرين الذين ساهموا في إحياء النهضة العربية مع الفقيه المصرى محمد عبده من مؤسسي النهضه العربية الحديثه, ومن كبار الدعاه للتجديد والاصلاح و التنوير. اشترك فى الثوره العرابيه. ومؤلف كتاب رسالة التوحيد. وكتاب الاسلام و النصرانية مع العلم و المدنية. 
 كما ساهما مع صاحب كتاب طبائع الاستبداد لعبد الرحمن الكواكبي في تلك النهضة التنويرية . لقد لعب جمال الدين الأفغاني دوراً عاماً في حركة الوحدة الإسلامية في القرن التاسع عشر في وطننا العربي وسمي عصره بعصر النهضة . وإليه يرجع الفضل في الصحوة التي بشر بها وتلاميذه من العرب الذين رافقوه في مسيرته التنويرية النهضوية .
بعد مضي عشرات السنين على طبيعة العلاقات العربية الأفغانية تزايدت القيمة الاستراتيجية لأفغانستان باعتبارها تتمتع بموقع جيواستراتيجي هام كما تعدّ معبراً هاماً في وسط آسيا بين شرقها وغربها، فالدولة الأفغانية لها حدود مع الدول والقوى الكبرى في المنطقة بدءاً من جمهورية روسيا الاتحادية، وجمهورية الصين الشعبية ،مروراً بالهند وباكستان وصولاً إلى جمهورية إيران الإسلامية .والشعب الأفغاني شعب ذو بأس وقوة وشكيمة، حكمت عليه التضاريس الجبلية الصعبة أن يكون قوياً في كل الظروف، وظلت بلاده حصينة منيعة. وعصية على التدخل الأجنبي بكل جنسياته والتغول في مدنه وقراها وجباله ووديانه، تقاوم الغزاة والطغاة والمحتلين بدءاً من الأطماع البريطانية، مروراً بالغزو السوفييتي السابق ، وصولًا إلى العدوان الأمريكي عليها في أعقاب حادث الحادي عشر من أيلول عام 2001 الذي قررت على أثره الولايات المتحدة الأمريكية ضرب حركة «طالبان» في عقر دارها، وأمضت عشرين عاماً تحاول تثبت أركانها لكن عبثاً كان ذلك .كما أنفقت ما ينوف عن اثنين ترليون دولار .وآلاف القتلى والجرحى. كما خسر الشعب الأفغاني عشرات الألوف من القتلى جراء الغارات الأمريكية على مناطق سيطرة «طالبان». ثم كانت المفاجأة بأن قررت الولايات المتحدة الأمريكية انسحاباً إرادياً من طرف واحد لكي تترك أفغانستان بكل تياراتها السياسية والأمنية والعسكرية مسرحاً للتصفيات في محاولة تشبه إلى حد كبير الانسحاب الأحادي لقوات الجيش الإسرائيلي من قطاع غزة منذ عدة سنوات. ولكن قراءة ما جرى في أفغانستان مؤخراً تستحضر أمامنا بعض الملاحظات اللافتة أهمها:

* أولاً: من الواضح تماماً أنّ العديد من الدول الإسلامية مع بعض الدول العربية 
ستسعى إلى خطب ود حركة «طالبان» ولعب دور معها في المخططات القادمة من أجل رسم مستقبل جديد للمنطقة سواء في غرب آسيا أو الشرق الأوسط. وتحديداً في منطقتنا العربية مثل الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وقطر ، غير متناسين تركيا وإيران من هذه المعادلة فهناك إحساس عام بأنّ الأمور ستمضي في دروب قاسية جداً ووعرة مثل ممرات أفغانستان الصخرية الصلدة وطرقها الجبلية. بل إن دولة بحجم جمهورية روسيا الاتحادية حاولت أن تخطب ود حركة «طالبان» بعدة طرق وأساليب متنوعة بهدف فتح صفحة جديدة معها. متناسية أن ميلاد تلك الحركة قد بدأ في ظل ظروف مواجهة دامية مع الوجود السوفييتي السابق فوق أرض أفغانستان.

  * ثانياً : لا بد أن تقلق جمهورية روسيا الاتحادية وفيها تجمعات إسلامية هائلة تتركز في إقليم الشيشان، فضلاً عن مخاوف جمهورية الصين الشعبية من علاقات متقاربة جغرافياً فهي ملاصقة لحدودها التي تمتد نحو ٦٠ كيلومتراً بين حركة «طالبان» التي تنفرد بالحكم في العاصمة الأفغانية كابول وبين الجماعات الصينية الإٍسلامية التي بلغ أعدادها الملايين ، وهذه الجماعات تطالب بالحكم الذاتي، أما باكستان فهي دولة تتمتع بجهاز استخبارات قوي وذو خبرة ولها تواجد قوي ودائم في الأراضي الأفغانية . إن معظم المؤشرات تؤكد أن العلاقة بين أفغانستان وباكستان ستتأرجح قرباً وبعداً حسب الظروف المحيطة والمستجدات الحاصلة ،أما الهند فهي تنظر بقلق كبير جداً وبقلق دائم مضاعف إلى كل القوى الإسلامية المحيطة بها على الرغم من وجود أكثر من مائة وعشرون مليون مسلم فيها .خصوصاً في ظل تصاعد مشكلة كشمير المعلقة بين الهند وباكستان منذ عام التقسيم.

* ثالثاً: من خلال متابعتنا لمجريات الأحداث المتتالية لوصول حركة طالبان ألى السلطة بعد الانسحاب الأمريكي السريع، ستحاول الحركة تغيير منهجها . الذي يشبه تغيير جلدها والخروج من ردائها التقليدي ( الديني ) المتزمت .لكي تبدو أكثر قبولاً وإشراقاً لدى المجتمع الدولي، لكن ذلك أمر قد لا يتحقق بسهولة أبداً ، فالفكر السياسي الديني الذي تؤمن به لا يؤهلها للتخلص من جلدها بسهولة ، بل قد يحتاج إلى ما يبرهن عليه من سلوك ومنهج دولي وإقليمي لحركة «طالبان» مع قطيعة للعلاقات بكل التنظيمات المتشددة والتنظيمات الإرهابية، والقوى التي ترفع شعارات إسلامية وتقدم طرحاً مغلوطاً ومخالفاً للشريعة الإسلامية السمحاء.
*رابعاً: نتيجة ما قامت به الولايات المتحدة منذ احتلالها لأفغانستان حتى لحظة انسحابها السريع يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية هي الخاسر الأكبر في هذه الخطوة الأخيرة التي تمت بسرعة وأظهرت الولايات المتحدة أمام العالم بأنها انهزمت في أفغانستان لما خلفته من فوضى عارمة. كان ماحدث في مطار أكبر شاهد أمام العالم . فقد كان انسحابها دون تدرج أو ترتيب طويل يسمح للشعب الأفغاني بأن يعيد النظر في أوضاعه الداخلية والخارجية، وأن يحدد ملامح مستقبله، لقد فقدت الولايات المتحدة كثيراً من هيبتها في ظل الانسحاب المتعجل والمربك المختلط بالفوضى بالصورة التي أدت إلى التوتر والارتباك اللذين شهدهما العالم في الفترة الأخيرة.
نحن كعرب نتطلع إلى الدولة الصديقة في أفغانستان آملين أن تكون نموذجاً للاعتدال والوسطية، واستخدام الدبلوماسية والابتعاد عن استخدام العنف والقسوة . وأن تكون إضافة إلى جمهرة المسلمين في مواجهة الاختلافات والتناقضات والتغييرات التي تشهدها منطقة وسط وغرب آسيا.