( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
اندلعت الحرب الفيتنامية الطاحنة والمعروفة باسم الحرب الهندوصينية الثانية،وهي عملية عسكرية أطلق عليها الفيتناميون اسم حرب المقاومة ضد الولايات المتحدة الأمريكية.وهي حرب وقعت في فيتنام ولاوس وكمبوديا في العام 1955م،حتى سقوط سايغون مدينة (هو تشي منه ) في العام 1975م.وهي ثاني الحروب الهندوصينية.فقد كانت أطراف الحرب الأساسية فيتنام الشمالية،وفيتنام الجنوبية. الجيش الفيتنامي الشمالي تلقى الدعم القوي والكبير من الاتحاد السوفييتي السابق وجمهورية الصين الشعبية ،وحلفاء شيوعيين آخرين،أما الجيش الفيتنامي الجنوبي فقد تلقى الدعم والمساندة من الولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا، وتايلاند ،وكوريا الجنوبية،وحلفاء آخرين مناهضين للشيوعية . 
هذه الحرب الدموية يراها بعض الأمريكيين أنها كانت بمثابة حرب بالوكالة في حقبة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي السابق وكان غالبية الشعب الأمريكي مع بعض القادة آنذاك يؤكدون أن الحرب كانت غير اخلاقية ،وغير مبرَّرة على الإطلاق.لقد أرسى الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشاد نيكسون،وهو رئيس الولايات المتحدة الأمريكية السابع والثلاثون (1969–1974)، أحد المبادئ المهمة في إدارة السياسة الخارجية الأمريكية حمل اسم (مبدأ نيكسون)، فرضته الظروف الأمريكية الصعبة للحرب الأمريكية في فيتنام. عندما وصل الرئيس نيكسون إلى الرئاسة خلفاً للرئيس ليندون بينز جونسون الرئيس السادس والثلاثين للولايات المتحدة من عام 1963 إلى 1969،الذي فاقم توريط الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب الفيتنامية، قرر ليس فقط سحب القوات الأمريكية من فيتنام ،بل التوقف نهائياً عن إرسال أي قوات أمريكية للقتال في الخليج العربي،إلّا في حالات الضرورة القصوى ومن أجل الدفاع الاضطراري جداً عن ذلك النوع المميز من مصالح الولايات المتحدة الأمريكية المعروفة باسم المصالح الحيوية،أي المصالح التي لها علاقة مباشرة بحياة الشعب الأمريكي وعيشه، دون غيرها من المصالح الإقليمية أو الدولية . 
كانت فيتنام بصمودها المنقطع النظير وما تحملته من قتلٍ وتدمير وخراب ودماء. والتي أطلق عليها الأمريكان اسم (عقدة فيتنام) ،كانت عقدة مستحكمة في العقلية والذهنية للشعب الأمريكي، لذلك جاء ما بات يُعرَف بـ (مبدأ نيكسون) استجابةً لمطالب داخلية مهمة،وحلاً لمعضلة تعاني منها الولايات المتحدة وهي مصادر تهديد مكثفة لمصالحها في مناطق وأقاليم متعددة من جغرافية العالم.
نص (مبدأ نيكسون)الذي أعلنه في شهر حزيران 1969 م على ضرورة قيام الولايات المتحدة الأمريكية باختيار قوى حليفة إقليمية لها مصداقيتها والتزامها بالدفاع عن المصالح الإقليمية، حيث يتم تدريب وإمداد تلك القوى الحليفة بكل أنواع الأسلحة والمعدات اللازمة التي تجعلها قوية وتمكنها من الدفاع عن المصالح الأمريكية، كما ينص (مبدأ نيكسون)على أنَّ الولايات المتحدة ستعمل على تشجيع بلدان العالم الثالث على تحمُّل مسؤوليات أكبر في الدفاع عن نفسها،وأن يقتصر دور الولايات المتحدة على تقديم المشورة والمساعدات ،على نحو ما حدث في الخليج العربي عقب الانسحاب البريطاني منه عام 1971م،حيث قرَّرت الولايات المتحدة اعتماد إيران (الشاه) كحليف إقليمي كبير تتولى به الدفاع عن مصالحها في الخليج العربي والشرق الأوسط ،بالتنسيق مع الحليف الاستراتيجي (الإسرائيلي)،لكن سقوط حكم الشاه رضا بهلوي) 26تشرين الأول 1919 م إلى 27 حزيران1980م)،فرض تحديات صعبة على الولايات المتحدة الأمريكية التي اضطرت إلى التراجع عن (مبدأ نيكسون) والتي عادت إلى الحضورالسياسي والاستخباراتي والعسكري مباشرةً في الخليج العربي،خاصة بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية التي امتدت ثماني سنوات (1980م ـ 1988م)،وتراجع خطر الاتحاد السوفييتي السابق على المصالح الأمريكية في الخليج العربي مع دخوله مرحلة التفكك والانهيار،وظهور القوتين الإيرانية والعراقية كمصدرين جديدين للتهديد من منظور التقييم الاستراتيجي الأمريكي.الجدير بالذكر أن الولايات المتحدة الأمريكية مارست سياساتها البراغماتية على أكمل وجه .فقد استخدمت (مبدأ نيكسون) في مناسبات كثيرة،وتراجعت عنه في مناسبات كثيرة أيضاً، وها هي الآن توضع أمام الاختبار الصعب في أفغانستان حيث بدأت قواتها بالانسحاب بعد عشرين عاماً، وخسارة 2 ترليون دولار ،وما زالت متخوفةً من عودة سيطرة حركة طالبان. في تجربة شديدة الشبه بالتجربة الفيتنامية، أي التعرض لخسائر مادية وبشرية وعسكرية وسياسية فادحة نتيجة لسياسة التدخل العسكري المباشر،والاضطرار للانسحاب التدريجي المبرمج،والبحث عن الوسائل البديلة للحفاظ على المصالح الحيوية الأمريكية بعد الانسحاب. واختارت الولايات المتحدة الأمريكية الحليف التركي للقيام جزئياً بالدفاع عن المصالح الأمريكية في أفغانستان،ومن بينها المحافظة على بقاء النظام الأفغاني الموالي ،وبقاء الجيش الأفغاني الذي دربته ودعمته الولايات المتحدة ليدافع عن كابول في وجه حركة طالبان. وأن يبقى النظام قادراً على حكم كابول العاصمة من دون إفراط في التفاؤل في تمكين هذا النظام من المحافظة على فرض سيطرته على كل الأراضي الأفغانية الواسعة التي تصل مساحتها إلى نحو(652860) كيلومتر مربع.أو معظمها، وتحقيق الأمن والأمان والاستقرار المنشود. فهل تستطيع تركيا القيام بذلك ؟
يبدو أن تركيا ستكون عاجزة تماماً عن القيام بدور الحليف الإقليمي الذي يمكن الاعتماد عليه في المحافظة على نظام كابول،بخاصة وأنَّ عدد سكان أفغانستان يقارب الــ 33 مليون نسمة ـ حسب احصائيات عام 2016 ـ ، منهم 3 مليون مواطن أفغاني يعيشون كلاجئين في إيران وباكستان . وفي الحقيقة لا تستطيع تركيا كحليف للولايات المتحدة الأمريكية أن تسيطر على أفغانستان. بخاصة وأن أفغانستان تتألف من مجتمع متعدِّد عرقياً ولغوياً،مما يعكس موقعه كطريق للتجارة التاريخية وطريق الحرير التجاري،وكطريق للغزو بين آسيا الوسطى،وجنوب آسيا،وغرب آسيا.وأكبر جماعة عرقية في أفغانستان هي البشتون،يليها الطاجيك،والهزارة،والأوزبك،والأيماك،والتركمان ،والبلوج. وجماعات عرقية أخرى أقل عدداً. ومعظمهم مسلمون من المذهب الشيعي، بينما تركيا من المذهب السني.لذا لن تتمكن تركيا من منع حركة طالبان من فرض سيطرتها على البلاد والتأسيس لـ (ولاية إسلامية) على أنقاض تورط أمريكي امتد لعشرين عاماً ذهبت هباءاً منثورا حسب بعض القادة الأمريكيين .
أيضاً هناك أسباب كثيرة،وكثيرة جداً ستمنع تركيا برئاسة أردوغان من أداء هذا الدور الوظيفي ، لكن قبل الانخراط في التعرض لهذه الأسباب وتلك الموجبات، يوجد سؤال آخر هام يفرض نفسه على الجميع هو: لماذا لم تلجأ الولايات المتحدة الأمريكية إلى (الحليف الإسرائيلي) للقيام بهذه المهمة؟
إجابة على السؤال آنف الذكر هو محدودية الدور الوظيفي لإسرائيل في الدفاع عن مصالح الولايات المتحدة الأمريكية،فهي إنت كان قادرة على الدفاع عن بعض المصالح، فإنها غير قادرة عن القيام بأغلبها، كما هو الحال في أفغانستان ذات الخصوصية الإسلامية، وهذا ما أدركته إدارة الرئيس جو بايدن في تكليفها لتركيا بالقيام بمهمة حماية مطار العاصمة كابول (مطار حامد قرضاي) باعتبار تركيا دولة إسلامية،وجيشها يخدم في أفغانستان كقوة أساسية في حلف شمال الأطلسي ( الناتو ) . 
من أبرز أسباب فشل تركيا في القيام بتلك المهمة،التأكيدات الاستخباراتية الأمريكية والتقارير المتتالية التي تتوقع حدوث سقوط سريع لنظام كابول أمام التقدم المتسارع لقوات حركة طالبان التي أصبحت تسيطر على ما يزيد على خمس وثمانون من الأراضي الأفغانية. في الوقت ذاته جاء هذا طلب الولايات المتحدة في ظل الظروف الداخلية المعقَّدة والصعبة أمام الرئيس التركي أردوغان، وتشتت قواته بين ليبيا وسورية والعراق، وفشله الذريع في مقايضة تدخله في أفغانستان مقابل المحافظة على نفوذه وسيطرة قواته على أجزاء من ليبيا، فضلاً عن الملفات الأخرى الساخنة بين البلدين،مثل ملف أزمة الصواريخ الروسية الاستراتيجية (إس 400) ، وملف المعارض التركي فتح الله غولن المتهم بأنه العقل المدبر لانقلاب تركيا.المقيم في الولايات المتحدة.
من الواضح تماماً أنَّ تركيا الأردوغانية غير مهيأة الآن لأداء الدور الوظيفي الموكل لها من قِبَل الولايات المتحدة الأمريكية .بخاصة وأنها تراقب حليفها الأمريكي وهو ينسحب بإرادته من أفغانستان بعد عشرين عاماً،بخاصة وأنَّ مقاتلوا حركة طالبان يسيطرون الآن على إقليم استراتيجي بقندهار مع اقتراب الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية. ليس هذا فحسب فإنَّ تركيا تشهد بأم أعينها كيف أنَّ الولايات المتحدة الأمريكية ضحّت بحليفها الإقليمي هو النظام الأفغاني. فهل تتورط تركيا في أفغانستان؟ ،مع العلم أنَّ حركة طالبان أعلنت رفضها القاطع للدور التركي هناك إنقاذاً ،لحليفها الأمريكي المنسحب ؟