( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
في محاولتنا الحديث عن القومية العربية والعرب والعروبة، تتصادم مواقف العديد من أبناء الشعب العربي التي تتساءل (بخفةٍ) عن أي قوميةٍ نتحدث ؟؟؟؟ بخاصة بعدما شاهدناه من مواقف حكومات عربية في الفترة التي تمت تسميتها بالربيع العربي ، حيث وقفت بعض الدول العربية ضد دول عربية أخرى ، بشكلٍ مباشر أوغير مباشر ،وساهمت بتدميرها واحراقها وتفتيتها وتمزيقها بحجة دعم الثورات ضد الطغاة وتغيير أنظمة . غير متناسين ما وصلت إليه العديد من الدول التي تحكم بالحديد والنار ،وأصبحت دولاً أمنية ، ودولاً شمولية ، إضافةً إلى قبول بعض الدول العربية بالمشاريع الصهيونية الأمريكية الغربية ، وسارت في ركبها دون تردُّد ،مثل فتح مكاتب اقتصادية في مدنها ،والقبول بصفقة القرن التي تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية ، وإقامة التطبيع الكامل مع الكيان الصهيوني . لقد سيطر على معظم الدراسات الأكاديمية مفهوم ما يمكن الاتفاق على تسمية الاصطلاح بـ (الأصل الواحد ) ومفهوم (التعاقب الخطي ) في نشوء فكرة ( القومية العربية ) بعد هذا التمزق والتشتت والضياع . 
إنَّ ما جرى من حربٍ طاحنة شهدتها فلسطين المحتلة بشكلٍ عام . وغزة بشكلٍ خاص نتيجة محاولة المستوطنين اقتحام المسجد الأقصى بهدف تدنيسه ، والسيطرة على منازل أكثر من 28 عائلة فلسطينية في منطقة الشيخ جرَّاح التابعة لمدينة القدس التي بدأت بتاريخ 11 أيار 2021 ، مما دفع ملايين من أبناء الشعب الفلسطيني والعربي للقيام بمظاهرات احتجاج واسعة النطاق ،ورفض لما جرى ويجري في كل عواصم ومدن العالم . هذه اللوحة تؤكِّد أنَّ الشعب العربي من المحيط إلى الخليج يتفق على فكرة الترابط والتلاحم والرؤية العربية العروبية المستقبلية ، وتثبت وجود عوامل وطنية وقومية مشتركة ،ما زالت قوية ومتينة على الرغم من تباينها على الصعيد الرسمي العربي. فهل يمكننا أن نلج من هذا الباب للحديث عن حالةِ إصلاحٍ لفكرة القومية العربية ؟؟؟ . أو إعادة تطويرها ، إذا تم جمعها تحت شعار ( العروبة ) ، مع علمنا المسبق بوجود تيارات متعدِّدة ومتضاربة ، بغضّ النظر عن تنوعها واختلافها في البرنامج السياسي ، أو الحيِّز الجغرافي أو حدود الجماعة ،أو حتى الشعب أو الجمهور المستهدف ، ثم تم وضعها في سياق كرونولوجي لتوحي بتتابعية ما ، يبدو بموجبها أنَّ الوعي القومي العربي بجملته يعود إلى أصلٍ واحد لا ثاني له ، مثَّلته فكرة النهضة العربية في القرن التاسع عشر.
من المؤكد أنَّ الوحدات السياسية بما فيها من قضايا موضوعية وواقعية ، تأتي لتلبي الحاجة الضرورية لواقع موضوعي، والمجتمعات الإنسانية بشكلٍ عام لا تتماثل حتى وإن جمعتها لغاتٌ وثقافاتٌ مشتركة. إنَّ وجود لغاتٍ وثقافاتٍ مشتركةٍ في حياتنا العربية ،هو عامل مساعد وهام لقيام وحدات سياسية واقتصادية، يمكنها أن تتكامل بعضها مع بعض ، ولكنها بمفردها لا تحتم تحقيق ذلك، فقانون الوحدة هو التفاعل والتكامل الكلي والموضوعي وليس التماثل. لقد تأثرت حركة اليقظة العربية بنتائج الحرب العالمية الأولى التي انتهت في 11 تشرين الثاني 1918، وبشكلٍ خاص بعد اتفاقية سايكس بيكو عام 1916. وبعد صدور وعد بلفور عام 1917، فقد أسست اتفاقية سايكس- بيكو لتقسيم سورية الكبرى أو سورية الطبيعية ،إلى أربع دول ،هي سورية ولبنان والأردن وفلسطين، وانطلق قادتها من أهمية الكفاح والنضال ضد السلطنة العثمانية ،والحكم العثماني الذي دام أكثر من أربعمائة سنة ، وحملوا على عاتقهم مسؤولية التصدي ومواجهة تبعات تقسيم المشرق العربي، وبرزت القومية العربية المتماثلة مع عصر القوميات في أوروبا عقيدةً تعبويةً ونضاليةً وكفاحيةً لتحقيق الوحدة العربية على أسس وقواعد جديدة ، وجرى تعريف القومية العربية على أنها الهوية الجامعة لأفراد ينتمون لأرضٍ واحدة ، تمتد من الخليج إلى المحيط، يجمعهم أنهم ناطقون باللغة العربية، وينتمون إلى ثقافةٍ واحدةٍ ،وجغرافيا وتاريخ مشترك ،وآمال مستقبلية مشتركة .وكان من أهم المشاهير الذين دعوا إلى القومية العربية : 
1 ـ ساطع الحصري ( أبو خلدون ) الذي اعتبر اللغة العربية أساس الوحدة العربية وكان خلال فترة الأربعينيات وبداية الخمسينيات من القرن الماضي ، قد وضع مؤلفاتٍ عدّة في التنظير للقوميةِ العربيةِ، منها: "العروبة أولاً". و"آراء وأحاديث في القومية العربية"، و"دفاع عن العروبة"، و"حول القومية العربية"، و"آراء وأحاديث في الوطنية القومية"، وكغيره من القوميين، تأثر الحصري بفلسفة المثاليين الألمان، وفي مقدمتهم الفيلسوفان: نيتشة وفيختة.
2 ـ محمد عزّة دروزة: رائد الفكر القومي على تخوم المواجهه ،حيث ظهر اسم المفكّر والمؤرخ الفلسطيني محمد عزّة دروزة في فلسطين، (1887-1984) وهو من بين المؤمنين بالعروبة ،والداعين لتحقيق الوحدة العربية. والقومية العربية ، وبرز فكر دروزة القومي بشكلٍ أساسي من خلال كتاباته الغزيرة في التاريخ، عبر كُتُبٍ عدّة له كـ: "تاريخ الجنس العربي"، و"العرب والعروبة في حقبة التغلب التركي". إلى أن تبلورت آراؤه مع كتاب "الوحدة العربية" الصادر عام 1946.وفي هذه المؤلفات، يعتبر المفكرِّ محمد عزة دروزة بأنّ "الجنس العربي" كان يسعى للوحدة السياسية منذ أقدم أزمنة التاريخ، واليوم يتعيّن إكمال هذه المسيرة عبر تحقيق الوحدة السياسية بين مختلف أقطار الأمّة. وما يلفت في كتابات المفكر الفلسطيني عزة دروزة هو إيمانه بمفاهيم العرق والجنس العربي، وبالتالي، وخلافاً لبقية المنظرين العرب الذين أعطوا الأولوية للثقافةِ واللغةِ، فإنّ نظرة المفكر دروزة كانت نظرةً أكثر "جوهرانية" تقوم على الاعتقاد بوجود جوهر أساسي مستقل للأمة العربية، وعلى أساس عرقي. ويشير الباحث الفلسطيني هاني عواد في كتابه "تحوُّلات مفهوم القومية العربية" عام (2013) إلى أنّ هذه النظرة قد تكون نتيجةً لتأثير حضور المشروع الصهيوني في فلسطين، أي إنّه "سعى لتأسيس جوهرانية عربية فلسطينية مضادة للجوهرانية اليهودية".
3 ـ المؤرخ السوري قسطنطين زريق (1909-2000) من أبرز الأسماء في فضاء الفكر القومي العربي. تميّز المؤرخ قسطنطين زريق بما كان لفكره من أثر على المستوى السياسي، ففي أواخر العشرينيات أسهم بتنظيم "جماعة القوميين العرب"، والتي خرجت منها لاحقاً تنظيمات قومية، مثل "حزب فلسطين العربي"، و"عصبة العمل القومي"، وانتهاءً بتأسيس "حركة القوميين العرب" عام 1948.
4 ـ الكاتب السوري ميشيل عفلق كتب العديد من الكتب الفكرية الهامة ، ثم انخرط على الأرض بالعمل السياسي، وساهم في تأسيس أحزاب على قاعدة ما تبنّاه من أفكار. بدأ مشوار ميشيل عفلق مطلع الثلاثينيات، عندما غادر دمشق متجهاً إلى باريس لمواصلة دراسته الجامعية، وهناك تأثر بدايةً بالتيار الشيوعي الفرنسي، قبل أن يزداد تأثره بالحركات القومية، وبالتحديد بحركة "الانبعاث الإيطالي" وأهدافها (حرية، وحدة، استقلال)، وليصبح مدار فكره وكتاباته لاحقاً حول هذه الأهداف.
ويعتبر كتاب "في سبيل البعث"، الصادر عام 1977، والذي تضمن معظم مقالاته التي كتبها ، خلاصة النتاج الفكري لميشيل عفلق. ويمكن اعتبار عفلق أقرب إلى مذهب (المقوّمات)، فهو يولي أهميةً كبيرةً للتاريخ واللغة والدين. وفي قراءته التاريخية، يقيم الكاتب ميشيل عفلق تناظراً ما بين البعث العربي في عهد النبوة ،وبداية ظهور دعوة الإسلام، وما بين البعث والنهوض العربي في الفترة المعاصرة. والقومية العربية عنده أقرب إلى أن تكون بمثابة (الدين الجديد) للعرب، فهي وارثة الدين بمفهومه الثوري النضالي الذي حرّك المسلمين في فترة فجر الإسلام .
5ـ المفكر اللبناني نديم البيطار (1924-2014) ،كان أحد أبرز الأسماء في فضاء الفكر القومي العربي ، حتى أنّ الكاتب المصري عصمت سيف الدولة وصفه بأنّه (نبي الوحدة). ويعتبر المفكر نديم البيطار من أبرز الأسماء ضمن الجيل الثاني من المفكرين القوميين العرب ، يؤكد نديم البيطار بأنّ الأمَّة والهويةَ ليست السبب في قيام الدولة ، بل نتيجتها، فالأديان أو اللغات لا تصنع الدولة القومية العربية .
6ـ المفكر السوري ياسين الحافظ (1930-1978)، انتسب إلى حزب البعث منذ عمرٍ مبكر، وبعد وصول الحزب إلى السلطة في آذار (مارس) 1963، كُلّف بكتابة نصّ "المنطلقات النظرية لحزب البعث". ولكن الحافظ في ذلك الوقت وبتأثير من رفيقه الشيوعي إلياس مرقص كان يتجه للاقتراب من الماركسية. .
هؤلاء هم رواد الفكر القومي العربي غير متناسين مصطفى الشهابي ، ومعروف الدواليبي ، وجمال عبد الناصر .  
 لقد تم النظر في حينه من قِبَل المنظرين والمفكرين القوميين بشكلٍ عدائي وصريح إلى الهويات الأخرى، بما في ذلك الهويات الوطنية كونها نتاج مشروع التجزئة والتقسيم ، وفي حينه تم النظر للمجتمعات العربية، على أنها مجتمعات عاجزة وكسيحة وغير قادرة على تحقيق مشاريع الوحدة أو الاضطلاع بمشاريع التنمية والتطوير والتحديث ونقل المجتمع العربي من حالته السيئة إلى حالةٍ أفضل ، ليكون في مصاف الأمم الراقية. لقد بقي تحقيق الوحدة العربية ، من وجهة النظر هذه، مفتاحاً لمعالجة كل المشاكل والقضايا العالقة ، وتحقيقها يتم من الأسفل إلى الأعلى، نتيجة تلاقح بين حركات التحرر الوطني التي قادت الكفاح ضد الاحتلال بكل أنواعه ، وأنَّ الحل الحقيقي يكمن في الاندماج التام للأقطار العربية بعضها مع بعضها الآخر ، وأن ليس هناك ما يمنع العرب من تحقيق ذلك، طالما يجمعهم التماثل في اللغة، والعادات والثقافات والمصالح المشتركة، لكنَّ التطور التاريخي في سيرورته أثبت عدم صحة هذه النظرة، وحتمية تجاوزها إذا ما أريد لهذه الأمة النماء والتقدم ، فالعديد من البلدان العربية لم يتشكل بإرادات خارجية كما نظر له، فكثير منها من صنع التاريخ وماهيته ، ومضى على بعضها، بسياقها الحالي، آلاف السنين التي أثبت ذلك علم الأنثروبولوجيا وعلم الأركيولوجيا .
 إن اعتبار الاندماج بين البلدان والشعوب العربية شرطاً لمعالجة التخلف والتجزئة والتقسيم والانطلاق للبناء والتنمية ليس أكيداً لأنَّ التفاعل يتم بين أجزاء صحيحة وليس منقسمة.
 إن الطرح القومي الذي جرى على الطريقة التقليدية ، يعفي الدولة الوطنية من مهامها التاريخية ويقدِّم المبرِّرات لتقصيرها لأنَّها وفقاً للتصور الوحدوي التقليدي لن تكون قادرةً على تحقيق مهام النهوض القومي العربي إلا في ظل دولة الوحدة. 
  النظرة النقدية الواقعية العقلانية لرؤية المشروع النهضوي التقليدي للهوية، تعتبر الدولة الوطنية هوية جامعة، وليس مجرد هوية فرعية. إنَّ ذلك يفترض فيها أن تنهض كدولة مستقلة بمجتمعاتها على كافة الصُعد، وأن تلبي الحاجات الأساسية لمواطنيها من صحةٍ وتعليمٍ وسكنٍ ورخاءٍ وأمنٍ ، وتأمينِ كل مستلزمات الدفاع عن الوطن في كل الظروف والأوقات ، وما يستوجبه ذلك من بناء جيش قوي وأجهزة أمنية حديثة مدرَّبة ومجهزة ليس لقمع الشعب بل للدفاع عنه وحمايته ، وما إلى ذلك من مستلزمات بناء الدول العصرية، وأنَّ الوحدة ضمن هذا السياق تأتي تلبية للاحتياجات الوطنية، ومتطلبات النهوض بالمجتمعات العربية نحو سمو رفعتها وشأنها بين دول العالم ،أيضاً يجب أن تكون العلاقة بين بلدان الأمة، علاقة تكاملية، حيث يملك الوطن العربي طاقات وقدرات وثرواتٍ هائلة مختلفة،كما يعج بالطاقات الحيوية الحية، وقدراتٍ بشريةٍ متباينةٍ، من حيث الكم والخبرات الطويلة النوعية ، بما يعني أن التكامل بين هذه القدرات وهذه الطاقات من شأنه أن يوجد كياناً عربياً قوياً بما يلغي مقولة التماثل. هذا التطور الجديد لمفهوم الهوية العربية ، يعني أن مقولة قوة الأمة في وحدتها، لا تعني بالضرورة، تحقيق وحدة اندماجية بين الأقطار العربية وشعوبها ، فما تحتاجه الأمة العربية هو تلبية حاجات الناس ومتطلباتهم واستحقاقاتهم في الحرية والكرامة الإنسانية ،والتنمية والنمو الاقتصادي، وفي هذا السياق جرى التنظير لنظام عربي خاص به، لا مركزي، يتجه نحو أنموذج سياسي واقعي وعملي ، يستلهم من نماذج الاتحادات والوحدات ، التي شهدها العصر الحديث، حيث لا تناقض بين الهوية الوطنية، وهوية الأمة، بل تكامل وتفاعل بينهما، فيغدوان مصدر قوةٍ وحيويةٍ للأمةِ بأسرها. 
   ويمكن أن يتحقق الاتحاد بين البلدان العربية بشكل تدريجي ،مع أنَّ الشعوب متحدة ومتفاهمة ومحبة لبعضها ، وهذا يشمل القضايا الأساسية، المرتبطة بالحاجات اليومية للبشر، فيكون البدء على سبيل المثال بالوحدة الاقتصادية أو التكامل الاقتصادي ووضع أسس الأمن الاقتصادي والأمن الغذائي والأمن المائي ، وبتوحيد الأنظمة الجمركية، والكهرباء، واستكمال ما بقي من خطوط المواصلات البرية والجوية ،ومد السكك الحديدية التي تصل البلدان والمدن والقرى والبلدات بعضها مع بعضها الآخر، على غرار السكك الحديدية في دول أوروبا والعالم الغربي ، ويتم ذلك أيضاً من خلال إحياء معاهدات واتفاقيات وقَّعها القادة العرب في شؤون الأمن والدفاع، وبقيت لعدة عقود دونما تفعيل أو تنشيط ، شرط أن يتحقق تفعيل ذلك وفق سياقات وطنية وبإرادة حرة ومستقلة دوت تدخل خارجي .  
  هذا المنظور بالوعي الوطني والقومي هو استجابةً للتطور التاريخي في سيرورته وصيرورته ، الذي يتجه بثبات نحو اقتصادات الأبعاد الكبيرة والكتل التاريخية ،وانتاج شركات عربية ضخمة ،يكون لها دور فاعل في العالم ، وهو وعي يضعنا في المكان اللائق والمناسب بين الأمم بما يحقق تطلعات الجميع في مجتمع عربي قوي ومتين ،يكون الإنسان عماده وركنه الأساس الذي سيعيش بحرِّيةٍ وكرامةٍ ودون أي إذلال .