( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
هناك العديد من التناقضات الأيديولوجية الحادَّة التي أربكت فكر النهضة العربية ولا تزال إلى الآن تسيطرة وتهيمن على الفكر العربي المعاصر، بل إنها في هذه المرحلة الراهنة تتجه بقوة نحو المزيد من العنف والقسوة والتعقيد والقطيعة. ولعلَّ في عقول الأعداد الكبيرة من المفكرين والمثقفين الذين يكتبون الدراسات والمؤلفات والمقالات في المجلات والدوريات والصحف العربية على تعددها وتنوعها ، تحت عناوين الأصالة والمعاصرة، والديمقراطية والشورى ، والدين والعلمنة، والعرب والغرب ، والعقل والنقل، دلالةً صريحةً وواضحةً على تجذُّر الطرح الإشكالي واحتدامه . هذا الأمر بات يتطلب مراجعةً نقديةً جادَّة تذهب إلى أصول وجذور الإشكال التاريخي المحتدم ،التي تؤدي في نهاية المطاف إلى الخروج من الحلقة الكبيرة المفرغة التي لا تزال تحاصر الفكر العربي وتسوِّره بجملة أفكارٍ ومفاهيم . 
  الفكر العربي المعاصر يتضمن تراثاً تنويرياً حقيقياً أسهم فى صياغته وتطويره وتسويغه كُتَّاب وأدباء وفنانون وشعراء ومسرحيون عاشوا خلال القرن العشرين بين ظهرانينا، أو حنَّت عليهم بلاد الغربة أو المنافي البعيدة حين ضاقت بهم الأوطان. وهي مأساة مفكري وتنويريي القرن العشرين الماضي الذين عاشوا رومانسية حلم تقدُّم ورقي وتطوُّر العرب بقيت كامنة في غياب فاعليتهم المجتمعية وما رتبه ذلك من حالات عقلية وذهنية ونفسية شديدة السلبية، بدأت بالتعامل بشكل غير منطقي وغير عقلاني مع الواقع رافضين التغيير وميزَتهم بالرؤى العدمية الغامضة، ومحاولة إرضاء الذات بحلول فردية وليست حلول جماعية يلفظها الضمير الحي وانتهت بشعورٍ عميق بالإرتكاس والنكوص والعجز وفقدان الرغبة فى مواصلة الطريق والاستسلام لمصائر الطغيان والاستبداد وحالة التأخر الحتمية.
وقد اعتدنا فى حواراتنا ونقاشاتنا العربية الساخنة على تفسير مأساة وبؤس المفكر العربي هذه بالإشارة فقط إلى عوامل مثل طغيان وسطوة الحكومات والأجهزة السلطوية التي تحتقر التفكير الحر، والعقل النضر الوهّاج ، والطاقة الإبداعية ،وسيطرة المؤسسات التقليدية القبائلية والعشائرية والأبوية وهيمنتها معيقة التغييروالتحديث والتطوير . غير أنَّ نقد الحكومات السلطوية والطاغية والتقاليد البالية، وعلى الرغم من محوريته، لا يمثل هنا سوى وجه واحد من وجهي العملة المتداولة. أما الوجه الآخر فيرتبط بقوة بالمفكرين العرب أنفسهم وآرائهم ورؤيتهم الذاتية لموقعهم وحدود دورهم وإمكانياتهم على سبيل المثال، لم ترتب أمور كغياب الديمقراطية واستحقاقاتها ، والحضور المستمر للتعقب الأمني القمعي للأصوات النقدية العالية في مجتمعات المعسكر الاشتراكي السابق ، ودول الاتحاد السوفييتي السابق ومن ضمنه جموع دول أوروبا الشرقية ، لم ترتب هيمنة الإحساس بالضعف والعجز والنظرة الانهزامية على الحياة الفكرية هناك. بل تمَّت صياغتها وتبلورت بشكلٍ مناسب ، خاصة منذ النصف الثاني من سبعينيات القرن العشرين الماضي، تيارات للمقاومة والدفع فى اتجاه التغيير البنيوي كان من بينها جماعات المعارضة والمنشقين ودعاة العصيان المدني ونوادي القلم والحركات الاجتماعية الجديدة التى ضمت بين أعضائها مفكرين كُثُر وأسهمت بفاعلية كبيرة في التحوُّل نحو الديمقراطية واستحقاقاتها مع بداية التسعينيات. لقد قاوم مفكرو التغيير في دول الاتحاد السوفييتي السابق استبداد وطغيان الحكومات، وقاوموا على الرغم من انتقام السلطات والحكومات وعنف وشراسة أجهزتها الأمنية القمعية. 
في هذا المقام يحق لنا أن نتساءل ، لماذا يعجز دعاة التنوير ومفكرو التغييرالعرب عن مقاومة الظلم والاستبداد بين ظهرانينا ومواجهة الحكومات الطاغية والمستبدة السلطوية؟ ولا نعني هنا فى هذا السياق مجرد وجود أصوات نقدية عالية لمفكرين ينشدون التقدم والتطور ويطالبون بالتغيير الديمقراطي، فبلادنا العربية لم تعدم مثل هذه الطاقات وتلك الأصوات بكل تأكيد. بل المقصود بالضبط هو حضور مفكرين يستطيعون الانتقال بنقدهم بصوتٍ عالٍ إلى مرحلةٍ ثانية أساسها الفعل السياسي السلمي على أرض الواقع لإحداث التغيير المنشود. تحويل الفكر العربي الحر إلى حقيقة مجتمعية، وبغض النظر عن احتمالات النجاح أو الفشل، نحن نعرف أنَّ هناك حلقة مفقودة فى بلداننا التى لم تسر بعد على طريق البناء الديمقراطي بشكلٍ مناسب .إنَّ تحويل الفكر العربي الحر إلى حقيقة مجتمعية هو الذي يضفي على أصوات المفكرين النقديين المصداقية القيمية والشرعية الأخلاقية التي تستطيع تحريك المواطنين للمطالبة السلمية بالتغيير البنيوي الجوهري . تحويل الفكر العربي الحر إلى حقيقة مجتمعية هو ممارسة للسياسة واستتباعاتها تتجاوز بوضوح صياغة البيانات االتي تنادي بالديمقراطية وكتابة الدراسات والمقالات الناقدة للحكومات السلطوية. 
وقناعتنا تكمن في أنَّ العجز عن مقاومة الطغيان والاستبداد ، وعن الوقوف سلمياً فى وجه الحكومات الطاغية السلطوية طلباً للتغيير دون تخريبٍ أو هدمٍ أو فوضى إنَّما يتعلق، من جهةٍ، بإيمان أغلبية المفكرين العرب بكون الدولة الوطنية ومؤسساتها، وليس المجتمع ومكوناته وفعالياته، هى الوحيدة القادرة على إحداث التغيير البنيوي ، وكون باب الديمقراطية إنما ينفتح بشكلٍ موارب وبزاوية محدَّدة فقط من خلال إقناع الحكومات ودوائرها ونخبها بضرورة التحوُّل الديمقراطي لأنّهَ تحوٌّل مجدي . أما حين ترفض النخب الفكرية التغيير وتتمسك بامتيازاتها الخاصة ، وذلك هو حال النخب العربية على قلّتها بخاصة فى أعقاب انتفاضات ربيع ٢٠١١، فنجد أنَّ أغلبية المفكرين العرب ينزعون إلى رفض التغيير خوفاً من الخراب والهدم والفوضى، وخوفاً من أن تجنح تلك الانتفاضات إلى تفضيل أوضاع الطغيان والاستبداد والاستقرار المجتمعي الذي تعد به على حساب طلب إقرار الحريات وسيادة القانون وحقوق الإنسان والتداول السلمي للسلطة هذا من جهة . من جهةٍ ثانية، تتملك المفكر العربي نظرة ذاتية خاصّة لموقعه ومركزه ودوره العام ،قوام تلك النظرة الانفصال عن خرائط القوى المجتمعية. لا تعرف أغلبية المفكرين العرب هويتها على نحوٍ يرتبط عضوياً بالمجتمع وحقائقه وواقعه وآماله، بل تشدِّد على الانفصال الزماني والمكاني عن المجتمع وهو مجتمع يتصف بأنه (متأخر) و(رجعي) ، وغير ذلك من التوصيفات السلبية المرفوضة .كما تنتشر بشكلٍ واسع عبارات مثل (أنا كمثقف ) ويتقمص دور الناقد والمحلِّل وصاحب الرأي الذي يجري على الجماهير ، وتجدهم لا يعملون على مواجهة الحكومات الطاغية السلطوية، بل فقط بقومون بتوعية الجماهير بضرورة الطلب السلمي على التحوُّل الديمقراطي فى أحاديث وكتابات مفكري التغيير والتحديث والتطوير ودعاة التنوير العرب،وهكذا فإننا نفتقر للمفكر العضوي أو المثقف العضوي ، من هنا نجد المفكرالإيطالي أنطونيو غرامشي ينادي بالمثقف العضوي وأنَّ لكل جماعة اجتماعية يظهر لها وجود حقيقي على الأرض الأصلية لوظيفة أساسية في عالم الانتاج الاقتصادي والتجاري، تخلق بنفسها عضوياً، طبقة أو أكثر من المثقفين النوعيين يمنحونها تجانساً ووعياً بوظيفتها الخاصة ، ليس فقط في المجال الاقتصادي، ولكن أيضًا في المجال السياسي.