( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
القارئ الحصيف لتاريخ النهضة الغربية يُدرك تمام الإدراك، أنّ المثقفين من مختلف المجالات كانوا قادة مسيرة التغيير وإعادة البناء في أوروبا . يبدو ذلك جلياً بارتباط الانتقالات الفكرية والفلسفات العقلانية الحضارية الغربية بأسماء المفكرين والفلاسفة على أوسع نطاق، بدءاً من فرانسوا ماري آروويه المشهور باسم شهرته الواسعة فولتير. ‏ وهو كاتب وفيلسوف فرنسي عـاش خلال عصر التنوير. وإيمانويل كانط، الذي عاش في عصر التنوير في القرن الثامن عشر، وانتهاءً بجاك دريدا الفيلسوف الفرنسي والناقد الأدبي، وهو أول من استخدم مفهوم التفكيك في الفلسفة ،وميشال فوكو الفيلسوف الفرنسي، وهو من أهم فلاسفة النصف الأخير من القرن العشرين، وكان قد تأثر بالبنيويين ودرس وحلَّل تاريخ الجنون في كتابه (تاريخ الجنون)، وعالج مواضيع مثل الإجرام والعقوبات والممارسات الاجتماعية في السجون. ابتكر مصطلح (أركيولوجية المعرفة) ،وجان فرانسوا ليوتار الفيلسوف وعالم الإجتماع والمنظر الأدبي الفرنسي. والذي اشتهر بأنه أوّل من أدخل مصطلح ما بعد الحداثة إلى الفلسفة والعلوم الإجتماعية، وعبّر عنها في أواخر سبعينيات القرن العشرين، كما حلَّل صدمة ما بعد الحداثة على الوضع الإنساني. وساهم مع كل من جاك دريدا وفرانسوا تشالي وجيل دولوز في تأسيس المعهد العالمي للفلسفة .وكان لإسهامه الرئيسي في مجال الفلسفة هو نقده الحاد للحداثة وكتابته عن سقوط الآيدولوجيات الكبرى التي يُطلِق عليها اسم السرديات الكبرى، ومن خلالها ينتقد فكرة التنوير نفسها ، لأنَّ كل هذه الآيدولوجيات من نتاج التنوير ،وكلُّها كان لها هدف واحد هو التحرر وتحقيق سعادة الإنسان ، ولكن يرى جان فرانسوا ليوتار أنها سقطت وفشلت فشلاً ذريعاً، ويدعوا للخروج من هذه الحداثة التي أدت إلى الهولوكوست ، وهيروشيما وناغازاكي.وجميعهم عاشوا في عصر ما بعد الحداثة الحالي. ولا يمكن حسب التفسير الغربي، فصل نتائج أفكار هؤلاء المفكرين والفلاسفة عن تطوُّر الاتجاهات الغربية الثقافية والسياسية والاقتصادية.
       إنَّ أخطر أزمات المثقف العربي اليوم أنه بدأ يتخلى عن امتلاك الأفكار النوعية العقلانية الرصينة ، وأن القناعة السلبية غير الإيجابية والرضا غير الصحي والمنطقي بما هو متاح صارا سمةً مقلقةً في الحوارات الثقافية الدائرة على نطاقٍ واسع. من هنا كانت ثمة روح استسلام، وشعور بالنكوص والإرتكاس وشيء من الدونية والانهزامية وصل لأرواح وعقول من ينبغي بهم أن يكونوا ثائرين يحملون مشاعل النور للثورة ، أو منظّرين للثوار.فالنُخَب العربية الانتلجنسيا لم تَعِش في مجتمعاتنا العربية حالةً من الصراحةِ وتعرِّ أخلاقي وانكشاف قيمي . بخاصَّة في فترة الثورات والاحتجاجات المطالبة بالحرية والديمقراطية والكرامة الإنسانية . لكنَّ ما شهدته بلادنا العربية من حالة انكشاف أمام المثقَّف العربي ، وضعته في دائرة فقدان البوصلة لأنَّ نرجسيته وعيشه في برجٍ عاجي جعلته لا يتقبَّل ذلك الحراك لأنها خارج منهجه وتوقعاته المسجونة في قفص الأيديولوجيا وحبيسة الإثنية والمذهبية، إضافةً إلى أنها خارج حساباته بشكلٍ عام . لكن هناك مثقفون أنقياء جسَّدوا حالة برومثيوس في الأسطورة الإغريقية الذي عاقبه زيوس أحد الجبابرة لمنحه النار للبشرية . هؤلاء المثقفين جسَّدوا حالة نضالية مميَّزة وقبضوا على جمرة النار دون تردُّد أو تذمُّر .وأكَّدوا كمثقفين طليعيين خرجوا من جدران اليوتوبيا الافتراضية التي عاشوا فيها عقوداً طويلة ليقوموا بدورهم الحقيقي . 
ما سبق، يدعونا إلى جملةٍ من الأسئلة حول الإشكاليات العربية ، مثل جدلية المثقف والثقافة وما بينهما . ومَنْ هو المثقَّف ، وما هي الثقافة وجدليتها ، وما هي العلاقة بينهما؟ كل ذلك يمكن إسقاطه على المشهد العربي الذي نعيشه . 
فالثقافة كلمة تعني ( المدخل إلى سوسيولوجيا الثقافة ) كما عرَّفها ديفيد أنغلز ،وجون هوستن . مع العلم أنَّ عالمي الاجتماع الشهيرين كلايد كلوكهون والفريد كروبر قد قدَّما في إحصائياتهم حوالي 164 تعريفاً لما قد تعنيه كلمة الثقافة . وكلمة ثقافة هي الأكثر تعقيداً في اللغة الإنكليزية حسب رايموند هنري وليامز الروائي والأكاديمي والناقد والمنظِّر في المجال الثقافي ، حيث وضع عمله الأساس المتين لمجال الدراسات الثقافية والنهج المادي الثقافي.وباعتقادي أنَّ من أهم التعريفات الحديثة للثقافة هو ( الفن والحضارة ، وتهذيب النفس ، وهي مجموعة واسعة من القيم والأفكار والنواميس الأخلاقية السامية ،التي يؤمن بها أفراد في أي مجتمع ما من المجتمعات . وهذا ما أكَّده المفكِّر الجزائري مالك بن نبي الذي يُعَدُّ واحداً من أعلام الفكر الإسلامي في القرن العشرين . ويمكن اعتباره امتداداً لعالم الاجتماع العربي ابن خلدون .حيث قال : ( إنَّ الثقافة هي مجموعة القيم التي يكتسبها الفرد في بيئته ومحيطه ) .
الجدير بالذكر أنه لا يمكن الحديث عن الثقافة وتفاعلاتها بمعزلٍ عن الديمقراطية وحق التعبير وحقوق الإنسان ،وهي ايمانٌ مطلق بقدسية الكرامةِ والحريةِ كمشتركٍ إنساني مقدَّس ، وهذا ما أكَّد عليه ميشيل فوكو باعتبار الثقافة نظام الفكر والقيم في عصرنا الحالي .  
إنَّ ما أحدثه الحراك الشعبي العربي دلَّ بشكلٍ واضحٍ وجلي عن أزمة وجودية ضاربة . تجلَّت في صورة باهتة للمثقف الذي يعيش حالةً من الخواء الأخلاقي والقيمي ، حيث سقط من أوَّل نقطة اختبار حقيقية ، ولا أدلّ على ذلك من أنَّ الحراك انطلق من دون فلسفة تقودَه، أو فكرٍ أو منهجٍ، ومن دون حركة مفكرين ينظِّرون له ويقوّمون ما يعوج منه. فاقدين للمثقف العضوي كما وصفه أنطونيو غرامشي الفيلسوف والمناضل الماركسي الإيطالي، والذي انضم إلى الحزب الشيوعي الإيطالي منذ تأسيسه وأصبح عضوا في أمانة الفرع الإيطالي من الأممية الاشتراكية.لذلك كان حراكاً انفعالياً يتعامل مع ردود الأفعال انتهى بالفوضى العارمة والتدمير الممنهج والهلاك للبشر والحجر وكل من يدب على الأرض .