( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
عندما تنفلت الحروف من روح الرجل متتابعة تسابق اهتزاز الوجود وتقطف من ربيع العمر أكاليل الحزن ، وباقات الهروب من الذات إلى الذات . يتساءل الشاعر شاهر خضرة ضمن عتبات نصه الشعري الباذخ سحر الريح ويلتحف الطفولة كساء الشجن ، فتختنق النفس ويحترق لظى الشهوة برضاب اللذة ويعانق الجسد المهترئ الموت الحريري في لحظة متدرجة على زمن يخونه اللازمن ، ويستلب فيها صمت الكون دهشة اختراق الفرح لسواكن الرحيل إلى اللا منتهى .
سؤال كبير يطرحه الشاعر شاهر خضرة عبر قصيدته المعنونة ( الرياح) من مجموعته الشعرية بعنوان ( غناء على مؤخرة الحياة ) : هل الإغراق في البحث عن حقيقة الوجود وعن القوى الخفية القابضة على الحلم بأكف من ريح ،وهو الارتداد الذاتي ، هو المرأة المشروخة العاكسة لجنون الانعتاق والحيرة الدائمة للشاعر ؟؟؟
يلعب الشاعر شاهر خضرة لعبة العتبات النصية ومدلولاتها ،،ساحباً إيانا من خلال واقعيته المتخيلة ، وعبر خيالاته الواقعية ، الى الغوص في آليات بنائه وتأويلاته لنصه الذي ينتجه داخل روح كلماته المتعاضدة مع تخيلات وواقعية المتلقي ، لذا تألفه دائماً يملك بكلتا يديه كل أدوات الولوج إلى النص واستكناهه ، فاتحاً أمامنا أبواب التأويل .متخطياّ العتبة الأولى ، معتبراً تلك الخطوة عبارة عن قاعدة تواصلية تمكّن النص من الانفتاح على أبعاد دلالية تعني التركيب العام للحكاية الشعرية وأشكال كتابتها ، بحيث تساهم هذه القاعدة التواصلية في استقطاب فضول القراء من أجل العمل على حل مستوفيات ومشكلات النص الشعري عن الشاعر شاهر الخضرة ، لذا بدأ الحديث عن قصائده المثيرة بعتبة نصية حملت عنوان المجموعة ( غناء على مؤخرة الحياة ) ... دافعا إيانا إلى البحث عن بداية الحياة التي أفضت إلى تلك المؤخرة ، والتي استهلها بالحديث عن الرياح .. فالريح تعبير عن قوة جارفة .. ماحقة .. ساحبة معها كل من في طريقها حتى ولو كانت تلك الريح امرأة . يقول :
(الرياح امرأة أضمها بين ذراعيّ
أعشقها من نافذة علّيتي .
وهي تحرك حبال الغسيل .
وتهز أرداف النوافذ المغلقة
والأبواب الخشبية المخرشة بالقِدَم)
إن المبثوث في النص لما هو مستقبل تلك العتبة تدفعه لمقاربة العنوان الأصلي ( غناء على مؤخرة الحياة ) في متن النص من مضامين ، إذ قد يأخذك من التماثل في المؤخرة إلى الرياح ،لكنه يفاجئنا بأن الرياح تلك المرأة التي يضمها بين ذراعيه ساحباً إيانا دون تردد إلى علّيته التي من خلالها يشاهد عشيقته وهي تحرك حبال الغسيل . هنا يبرز اصطفاء الحدث الواقعي بجمالية باهرة أخّاذة ، حيث يسوقنا طوعاً عبر تحفيزه الجمالي المرتهن للتحفيز الواقعي دون المرور بأي مرحلةٍ من مراحل التغريب التي تعد أحد أشكال التحفيز الجمالي المضمر . باحثاً عن أنوثة عابقة بأريج الخلود والتعلق بالمنتهى ، المعلق على أسوار توحد سقسقة الروح وذوبان الجسد حيث قال : ( تهز أرداف النوافذ ) هنا يلعب الشاعر شاهر خضرة لعبة العتبات التي تنقلنا إلى الرغبات المندفعة مع انهمار قطرات الوجد على براعم العشق للجمال ، والضفة الأخرى من الانتماء الوجودي .
إذنً ما علاقة الرياح بمؤخرة الحياة بهز الأرداف ؟؟؟؟؟
هنا يؤكد الشاعر شاهر خضرة على سحبنا طوعاً إلى عتبة جديدة من عتباته حيث يقول : ( أغصان شجيرات في الجنينة
وبعض الأوراق اللاصقة في الطين
أحاول جاهداً قراءة ما كتب عليها
ويفشلني الارتعاش)
تجدر الاشارة هنا إلى أنٌ علاقة الذكورة ( الشاعر) مع الجنس الآخر ( المرأة) أقرب إلى الرفض والتنافر منها إلى محاولة الاكتشاف والبحث عن حرارة الوجد ، وحريق العشق وزفرات الوصال ، وذلك لأن مبحث الشاعر شاهر الخضرة الذي انتهجه عبر عتباته جعله يؤمن بقدرة الروح على تحسس خفايا ما كتب على تلك الأوراق المتلاصقة وهي تحمله على الفشل في الارتعاش ، وهذا جعله يؤمن بقدرة الروح على تحسس خفايا الكون الوجودي دون تجربة حسية جسدية ، وكأن الجسد ريح حاول ضمه كامرأة هاربة من النافذة التي حاول فتحها ليحتضن وجه الريح ، يقول : ( يمكن لي أن أفتح النافذة وأحتضن وجه الريح ) ، وكأن الجسد شمعة من ذوبانها يبرق السحر وتلمع الحقيقة وتلك العتبة هي التي أفضت إلى استكناه طبيعة العلاقة التصادمية بين الرجل والمرأة ، بين زاويتين مختلفتين متوازيتين لرؤية كونية الوجود. يستحيل تقاطعهما أو انعكاسهما ، فالمرأة حسب الشاعر شاهر خضرة ( قميص ) ممزق عالق على غصنة من الحطب
عندما بلله المطر توقف عن الرفرفة
مسبلاً كُميٌهِ خاشعاً حزيناً .) هنا تبدو العتبة رافعة جديدة في بنية النص المتوهج ، الحارق ، المبلل بالمطر ، حيث ازدواج الأحاسيس ، منفصم الايقاع الروحي ، إذ سرعان ما يستلب الروح ليبعث بالجسد ويدمر عناصر الوجود يقول : ( تدخل الريح في كل فتحاته وقد جف لتراقص مزقه ) - وهنا يقصد القميص - ، تحترق الأنثى بماء المطر ، يزداد تمزق القميص حتى يتمزق معه الجسد . هنا تتمزق أنوثة الأنثى ، وتنتحر فراشات طفولتها البدئية فالقميص( عالق على حطب - طين الجسم ) . يقول: (اشتهت روحي لو لبسته ثوباً داخلياً لتستر مزقه.... وتواجه الرياح بأكمامها وفتحاتها كملاحف مخرقة .. وهو قابع ككتلة من دم يتخثر ) هنا على هذه التعبة من عتبات النص يتفجر المعنى والتأويل المضمر والمبهم في آن ، هنا تتكشف الشهوة التي أورقت خيانة الأنثى لأنوثتها ، وتتسع النفس لكل الرياح التي تواجه القميص بأكمامها وفتحاتها كملاحف مخرقة ، هذا التماهي والتقاذف والانغلاق والانفراج النفسي لدى الشاعر شاهر خضرة يبرر عشقه للرياح ، وللماء وتطويع ليونته وسحر ألقه وترانيم اهتزازه .. فهو مزاج الروح عند الصمت والغضب ... وهو اندلاق لأسئلة من لج التيه بين سواكن الانتشاء ، فلا وجود للرعشة التي ظل( لعليٌته مراس على رجف الريح وكأنها تسير نافذتاها إحداهما تستقبل الشمس ) ( وأخرى تنطفئ معها )، هنا يفتح الشاعر شاهر خضرة عتبة جديدة من عتبات نصه المتوهج في تجلٍّ صوفي تقدس فيه الماء الذي لا يحق لغيره أن يلامس جسدها ، ويدغدغ روحها ، ويفتح ضفائر شهوتها ويطفئ ظمأ حرقتها ، لذلك تلفيها ندية التبرج. ، متوردة الجسد كنجمة الليل لا تعرف العطش يقول : ( جسدي تيار بينهما ) ويقول أيضاً كان ظهري مغلقاً تقحمه الرياح ، وجهي مفتوحاً كأغصان عراها الشتاء ) نجد ثمة طمأنينة فيها كل القلق والاضطراب ، استقرار للارتجاج في المعنى والمبنى ، ثمة طمأنينة يدركها أهل الشبق في سفرهم إلى الجسد ... وثمة من أمدّه من الشباك فرعاً فرعاً فتدلى على عتبة جديدة من النص الشبق الى الجسد الطيني "القابع في العلّية" و"على الجدار المقفّع" وصولاً "للأرضين المقتصاة بالأثر" . هذه العتبة من برودة حرارتها الحالمة بالخلود تتطلع الى رؤوس تلك "الفروع الشاخصة للأعلى" ، "معاتبة أن مدّها للأسفل" وهو متشبث بعليته ،،، لا يدري أهو في الحياة أو الموت ،،، أو هو على عتبة نصية جديدة من التساؤل ،،،، هل يكون الموت البرزخ الفاصل بين الوجود العنيد والخلود المعانق لماء الروح والرياح ،،، والمنفرج على الحقيقة المطموسة المتساءلة (لو ولجت رؤوسها في التراب هل تتجذّر)
يبدو مما سبق حجم الثقافة النوعية التي يملكها الشاعر خضرة ، فقد تجلت فكرة ( لذة النص) التي قدمها رولان بارت في كتابه الذي حمل ذات العنوان .حين أكون مع من أحب ويأخذني الهاجس في شيء آخر ، سواء هذه هي كيفية وقوعي على أفضل أفكاري ، وهي أفضل حالة لابتكار ما هو ضروري لعملي .
الشاعر شاهر الخضرة ببراعته المعهودة سحبنا مراراً عبر عتباته المتآلفة والمتخالفة إلى حد اعتقدنا أننا نعيش معه على عتبة الموت الذي هو قمة اللذة وعناق أشياء الإنسان المتلاشية على ضفاف كلماته المفتاحية ، والسابحة ضمن ضفاف الزمن الرديئ وسكر الرجولة والأنوثة بنبيذ التجلي الروحي عند احتراق الأسئلة الحائرة وتشيؤ عناصر الوجود .
لم تكن العلاقة بين النص الذي يعد بكامله عتبة رافعة وناهضة نحو المطلق ،، نحو الحقيقة المغشاة وبين المتلقي المتفرّس لمختلف كلماته بانسجامها وتآلفها والتي شكٌلت القصيدة ،سوى مدخل لولوج عالم شاهر خضرة الشعري والغوص في ثنايا اختلاجات تحويماته الصوفية حيناً والسريالية أحياناً ، واندفاع الجسد وتخفّي الروح وتوهج النفس،يتأكد إبراز أهم التشفيرات المساندة للنصوص الشعرية الأخرى التي يكتبها ، والداعمة للرؤية والمفاتيح السحرية لترجمة الأحاسيس من لغة الجسد إلى لغة الروح ،،، عبر الماء والريح .
بقلم : د. عماد خالد رحمة