( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
قطاع غزة بموقعه الاستراتيجي بين قارتين ، وبين حضارتين كانت محط أنظار تلك الحكومات والدول والممالك التي تحاول القيام بعمل عسكري على محيط وتخوم غزة ، فقد عُرفت في التاريخ أنها أقدم حامية عسكرية لم يسبقها مدينة قط ، والمعروف أن اسبارطة كانت مدينة عسكرية محصّنة رجالها أشداء متدربون على كل فنون القتال ، لكن غزة كانت قبل إسبارطة تملك تلك القدرات العسكرية المذهلة ، حتى الفتيان والأطفال هم مدربون على حماية أنفسهم والتصرف بمفردهم عند بدء الحرب، ويُعتبر سكان غزة عبر التاريخ رجال بأس وشكيمة وقوة ، تاريخها مجيد وسجلها حافل ، وحاضرها جهاد وتضحيات ، عانت ومازالت تعاني من غدر الأعداء وعجز الأصدقاء ، ولكنها في كل مرة كانت تنتصر ، تنتصر بالرجال الذين أنجبتهم أرضها الطاهرة المقدسة .
تعد مدينة غزة الفلسطينية من المدن القديمة التي ظهرت في العالم ، حيث يعود أول سكنى للإنسان فيها إلى أكثر من( 6000 ) ستة آلاف سنة على وجه التقريب ، فقد شيّد أهالي غزة القدماء أول قرى لهم على أراضي الرعي التابعة لوادي غزة ، وعاش هؤلاء السكان الأوائل على زراعة الحبوب والصيد .
أما الكنعانيون من ( العناقيين والعماليق ) فقد بدأوا بتطوير مراكز مدينة لهم في سنة 3000 ق . م ، حيث عُدت بوابة بلاد الشام إلى مصر وبوابة مصر إلى بلاد الشام ، وهي الخط الأمامي للدفاع عن فلسطين ، بل وبلاد الشام جميعها جنوباً ، والموقع المتقدم للدفاع عن العمق المصري في شمالها الشرقي أورثها وظيفة الميدان وساحة القتال لمعظم الإمبراطوريات في العالم القديم والحديث ، الفرعونية ، والآشورية والفارسية واليونانية والرومانية ثم الصليبية ، وفي الحرب العالمية الأولى . . كما أن موقع مدينة غزة عند خط التقسيم المناخي، وعلى خط عرض 31.3 درجة شمال خط الاستواء جعلها تحتل الموقع الحدّي بين الصحراء جنوباً، ومناخ البحر المتوسط شمالا، وعليه فهي بين إقليمين متباينين منحها ذلك دور " السوق " التجاري النابض بالمنتجات العالمية، الحارة والباردة منذ أقدم العصور. عّزز هذا الموقع الهام موقعها المميز فوق تل صغير يرتفع بنحو /45/ متراً عن سطح البحر الذي تبتعد عنه نحو ثلاثة كيلومترات.
ويعتبر تل العجول الواقع على الجهة الشمالية من وادي غزة ، أول عاصمة سياسية للمنطقة ، وبعد ذلك بفترة وجيزة سيطرت مصر الفرعونية على غزة ، واختار الفراعنة المدينة لتكون العاصمة الإدارية للحكم المصري في بلاد كنعان خلال معظم العصور البرونزية ، وخصوصا بعد طرد الهكسوس من مصر عـــام ( 1580 ) ق.م.
وقد أسهم دور غزة كميناء للفلسطينيين في العصر الحديدي المبكر (1200) ق . م ، في صعود مكانتها إلى القمة.
ومدينة غزة من أقدم مدن العالم ، أو بالدقة واحدة من أقدم عشر مدن في العالم ، فقد سكنها الكنعانيون في بادئ الأمر وربما أول بُناتها ، ثم سكنها نحو سنة 1800 ق . م ، قبائل عربية ، أضفت عليها طابعا عربياً مميزاً لا يزال قائماً حتى اليوم ، وذكرت هذه المدينة في رسائل تل العمارنة في القرن الرابع عشر قبل الميلاد ، وهي أول مدينة فلسطينية تدخل السجلات التاريخية ، فالنصوص المصرية القديمة تذكرها كمدينة رئيسية منذ أواسط العصر البرونزي ، حيث كانت غزة تحتل موقعا هاما في العالم القديم ، فهي أقرب المدن الفلسطينية لحدود مصر وهي على الطريق التجاري السوري المصري ، كما كانت مساعدتها لها وتحريضها على أي ثورة تنشب فيها ، ولما تمردت على الآشوريين في عهـــد ( تغلات نصّر )الثالث وفشلت ، أرغم ( هانو) حاكمها على الفرار من مصر وبقي فيها حتى وفاة ( تغلات نصّر ) ولما ولي ( شلما نصّر ) الخامس العرش ، ساعدته مصر في العودة إلى غزة وخلع الوالي الآشوري وطرد الحامية الآشورية ، كان ذلك بمساعدة القائد المصري ( سيبه ، أو سيبو ) ، لكن الآشوريين ضربوا هذا الحلف ، والى ذلك يشير نص حوليات (سرجون الثاني ) : ( أن حاكم غزة وقّع اتفاقاً معه الفرعون وهو الفرعون استدعى قائده سيب ، لمساعدته ( هانو) وهو سيب أي انطلق ضدي في المعركة).
يقع الجزء التاريخي المهم من غزة في وسط المدينة الحالية ، ويمتد لمسافة عدة دقائق مشياً على الأقدام من مركز المدينة الواقع في قلب المدينة ، وقد دلّت الحفريات على أن المدينة كانت محاطة بسور عظيم مع أبواب ، أهمها : باب مايوماس مقابل البحر ، وباب عسقلان في الشمال ، وباب الخليل في الشرق ، وباب الداروم في الجنوب ، وكان يتم إغلاق البيوت عند غروب الشمس فتصير المدينة كالقلعة بوجه الأعداء ، ثم توسّعت المدينة في الفترات اللاحقة باتجاه الشمال والجنوب والشرق على الخارطة البيزنطية الفسيفسائية في مأدبا التي يعود تاريخها إلى الجزء الأخير من حكم جيستنيان ( 527 ­ 556) ، صوّرت غزة على أنها ثاني أكبر مدينة في فلسطين بعد القدس ، وظهرت فيها الشوارع المعمدة ، والمباني العامة ، والأسواق . ولما جاء اليهود إلى فلسطين من مصر ، منحت غزة لسبط يهوذا فاحتلها رجال يهوذا مع سائر مدن الجنوب ، وقد كان العناقيون ما زالوا فيها ، ثم استرجعها الفلسطينيون وبقيت إحدى المدن الخمس الأساسية باتجاه الجنوب ، إلى أن جاء شمشون ، فحطّم أسوارها ، ونقلها إلى جبل مجاور للمدينة نحو الجنوب الشرقي ، يعرف اليوم بجبل المنطار ، ثم أسر فيها ، وفيها أيضا معبد داجون حيث تم تحطيمه ، ويدعوه العرب اليوم في غزة ( علي بن مروان ) أو ( أبو العزم ) ، ويقال : ( أنها رابع مدينة بُنيت على وجه الأرض .
* غزة أسماء ومعان :
لذلك قيل : بأن معنى كلمة غزة : هي جمع غازي والغزي والغزاة (الرماة بالنشّاب ) ثم تحرّفت إلى غزة ، وهي بلدة كنعانية عربية ، وهناك أقوال قيلت عن معنى (غزة ) .. والأرجح أنها : بمعنى قوي ومخازن كنوز وما يدخر فيها . وأطلق عليها الفرس اسم (هازاتو ،أو ، عزاتو ) ويقال أن حاكما فارسيا قد دفن كنزاً ثمينا في غزة وأسماها مدينة الكنز . وبعض الباحثين يقول في معنى الاسم (غزة ) يعني العزيزة والحصينة ، وهي مدينة تجارية عامرة ولاسيما في العصر الهلنستي والروماني ، وما كانت لتستغني عن ميناء بحري خاص بها ، وهكذا نشأت مدينة جديدة على ساحل البحر ، بإزاء غزة ، دعيت ( ميوما ) واندثرت إلى اليوم ، وعدت في الأصل ضاحية بحرية لمدينة غزة ، كما كان الحال أيضا في المدن الساحلية الأخرى المجاورة ، كمدينة عسقلان و( ازدود، أو أسدود ، ويبنا ) .
ولعلّ الاسكندر الأكبر ، هو أقسى من تعامل مع غزة وسكانها ، فقد نكّل بهم ، عقب معركة أسوس في زحفه نحو مصر . حيث وقف الاسكندر أمام أسوارها عاجزاً لمدة شهرين وجُرح أثناء حصارها عام 330 ق . م . ولأن رجالها رفضوا الاستسلام إلا بعد حصار طويل ، وهدم أسوارها المنيعة . وفي القرن الثاني قبل الميلاد استولى عليها سمعان المكابي قائد اليهود ، وهبّ لنجدتها الحارث الرابع ملك الأنباط . واحتلها (بومبي ) الروماني سنة 62 ق.م ، وضمّها إلى ولاية سورية .
وغزة مدينة قديمة من مدن فلسطين قريبة من البحر المالح على نحو نصف ساعة وأول من اختطها افرايم ، احد أولاد ( يوسف بن يعقوب ) احد الأسباط الإثني عشر . وهي من الأرض المقدسة ، التي بورك فيها ، ومن أعظم مدن فلسطين ، فتحها معاوية بن أبي سفيان أيام خلافة عمر بن الخطاب ، وكانت قاعدة لعمرو بن العاص قبل زحفه إلى مصر ، وكانت غزة هي القاعدة التي ركنت إليها جيوش الأيوبيين ، الملك الصالح إسماعيل والناصر داود . وكان ركن الدين بيبرس يقود جيش السلطان الملك الصالح حيث دارت في تشرين الأول بينهم وبين جيوش الفرنجة معركة ضارية (1244م ) وهذه المعركة أقسى كارثة حلت بالفرنجة عقب معركة حطين ( 584هـ ­ 1187م ) على أرض فلسطين، حتى سماها مؤرخو الفرنجة معركة حطين الثانية ، وقدر عدد قتلاهم فيها بنحو ثلاثين ألفاً ، وسيق ثمانمئة من أسراهم إلى مصر .
ومدينة غزة تملك وثائق مكتوبة تعود إلى القرن الخامس عشر قبل الميلاد ومنها ما يبين ما قام به بوليبوس ( 120 ق.م. ) وهو من ملوك سورية السلوقيين قام باجتياح مدينة غزة ، وأشاد بسكانها ، وتكاتف أهلها ، وروح الشجاعة التي يتحلون بها ، وكيف أنهم قاوموا الغزو الفارسي وكيف وقفوا في وجه الاسكندر .
ويقال لغزة ولعسقلان أنهما: ( عروسا الشام ) إضافة إلى أن القوافل التجارية " رحلة الشتاء والصيف " التي كانت تتجه من اليمن وحضرموت والحجاز باتجاه بلاد الشام كانت تحط في غزة ، وكانت رحلة الصيف باتجاه بلاد الشام حيث كانت تتوزع التجارة باتجاهين : الأولى نحو دمشق والثانية نحو تدمر ، وكان هاشم بن عبد مناف جد الرسول الكريم قد مات في غزة ودفن فيها أثناء رحلته التجارية ( رحلة الصيف ) في نهاية القرن الخامس وبداية القرن السادس الميلادي تقريبا ، لذلك سميت بغزة هاشم . . وقد ذكر الجوهري الكثير عن رحلة الشتاء والصيف ، وأتى بالتفصيل عن هاشم بن عبد مناف وقبل أن يفتح المسلمون غزة كان العرب يُكثرون من التردد عليها للتجارة فقد نزلها أمية بن الصلت الثقفي. ووالد الرسول الكريم .
ومن الآثار ما روي عن غزة عن مصعب بن ثابت : عن الزبير قال : ( طوبى لمن سكن أحد العروسين : عسقلان وغزة ) وهي أحسن المدن المجاورة لبيت المقدس ، وهي من الثغور لقربها من البحر ، وفيها كثير من الأشجار والنخيل ، وحولها كثير من المغارس والمزارع ، وفيها أنواع عديدة من الفاكهة ، وهي أحسن مدن فلسطين وفيها خلق كثير ممن سلف من العلماء والصالحين ، وهي آخر مدينة في جند فلسطين قبل صحراء مصر الجفار ، جفار مصر . وفيها ولد محمد بن إدريس الشافعي المدفون في الفسطاط ، وتمتاز بموقع خاص ، فهي قريبة من الصحراء والبحر ، وهي واقعة على أم الطريق إلى مصر ، وفيها مسجد جيد ، قال عنها الجغرافيون والرياضيون : إنها واقعة في الإقليم الرابع على خط طول 50 ، 45 درجة ودائرة عرض 32 ، وحدد أبو الفدا طولها بخط 56 .
ومدينة غزة تقع ضمن قطاع واسع سمي قطاع غزة ويضم خمسة محافظات هي على التوالي : محافظة الشمال ومحافظة غزة ، ومحافظة رفح ، ومحافظة خان يونس ، ومحافظة دير البلح وفيها العديد من البلدات منها : بيت لاهيا ، وبيت حانون ، والقرارة ، وجباليا ويبلغ عدد سكان القطاع حوالي 1.5 مليون فلسطيني فيها عدد كبير من المخيمات الفلسطينية منها : مخيم جباليا ، مخيم الشاطئ ، مخيم النصيرات، مخيم البريج ، مخيم خان يونس ، مخيم دير البلح ، مخيم رفح ، مخيم المغازي، حيث وصل عدد اللاجئين الفلسطينيين في تلك المخيمات إلى أكثر من مليون لاجئ فلسطيني .
مدينة غزة حفر اسمها في ذاكرة التاريخ ، وجدت مع وجود الزمان ، وعانت أهوال كل قتال ... كان لها في كل عهد قصة ، وفي كل معركة تضحيات وشهداء . ومع كل حاكم حكاية .. كم دانت لفاتح ؟؟ وكم استعصت على جبّار، ولكنها في كل حال لم تكن ترضى إلا أن تكون حديث الدنيا ، وقلب الأحداث ، فما اقتتل جيشان إلا اكتوت بنار قتالهما . وما تنازع خصمان إلا حاول كل منهما أن يخضعها لسلطانه . فهي واقعة في الوسط بين قارتين وبين حضارتين ... طريق للفاتحين . وأول سلّم للصاعدين الغالبين وآخر درجات المهزومين الفارين ، الطاهرة .. رجال عظماء .. وأبطال أشداء . سواعدهم من صخر وقلوبهم من حديد ومن أعظم صفاتهم :الشجاعة والصبر على المكاره . والنفور من الذل ، وإباء الضيم ، ولعلهم ورثوا هذه الصفات عن أجدادهم ، بسبب كثرة الحروب التي ألمّت بديارهم ، على مر الأحقاب... ويقال : أنهم هم الذين خاف بنو " إسرائيل " بأسهم فقالوا : ( إن فيها قوم جبّارين ) .