( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
هذا العام يحيي الفلسطينيون مرور مائة عام على وعد بلفور. كان اللورد آرثر جيمس بلفور وزير الخارجية البريطاني الذي اتخذ قرارًا بتغيير هوية الشعب الفلسطيني ومصير فلسطين، تلك الأرض التي لم يمتلكها، بعد أن قطع وعدًا بمنحها إلى الحركة الصهيونية مما أدى إلى تغيير تاريخ الشعب الفلسطيني برمته تغييرًا جذريًا. وفي هذه المناسبة الحزينة والمشؤومة من الضروري التذكير ببعض الحقائق التاريخية الأساسية التي لا تزال مرتبطة بتحقيق سلام عادل ودائم بعد انقضاء قرن من الظلم والاضطهاد.
حتى يومنا هذا ما تزال حكومة المملكة المتحدة تتنصل من مسؤوليتها التاريخية عن طريق رفضها الاعتذار لشعب ما يزال يعيش في المنفى وتحت الاحتلال نتيجة للتعهد غير الأخلاقي الذي قام به الساسة البريطانيون. ففي العام 1917 كان يعيش في فلسطين ما يزيد على 700,000 مواطن فلسطيني على مساحة تقارب الـ 28,000 كم². وكان لفلسطين مجتمع قوي فخور بتاريخه وتراثه الثقافي، وله تقاليد طويلة من التعايش والتسامح بين سكانه. وقد شهدت مدينة القدس التي بناها اليبوسيون والقبائل الكنعانية وموانئ يافا وحيفا، ومدن غزة وبيت لحم والناصرة والخليل ونابلس، إضافة إلى أقدم مدينة في العالم وهي مدينة أريحا، بجانب البحر الميت وغور الأردن الخصيب، جميع هذا المدن شهدت على الحضارة الغنية التي نشأت في فلسطين. كما كان لفلسطين العديد من المؤسسات الثقافية والتعليمية، والصحف والمجلات، وكان لها اقتصاد شمل تصدير الحمضيات وصناعة مزدهرة من الخدمات السياحية. كانت فلسطين مأهولة في أغلبيتها بسكانها العرب من المسلمين والمسيحيين ولكن ايضاً شملت مجتمعاً صغيراً من الأقلية اليهودية.
وأمّا وعد بلفور فإنه يشير بشكل مخز إلى الأغلبية العظمى بأنها "التجمعات غير اليهودية" في محاولة متعمدة لوضع الأساس لحرمانهم من حقوقهم السياسية في المستقبل. وقد كانت عقلية اللورد بلفور مترسخة تمامًا في الفكر الأيديولوجي الاستعماري دون إبداء اي احترام للوجود الفلسطيني المسيحي والإسلامي المتجذر في أرض فلسطين. وفي العام 1922 كتب اللورد بلفور: "يرجع تاريخ الصهيونية بحسناتها وسيئاتها، وبسلبياتها وإيجابياتها إلى تاريخ عريق وطويل من التقاليد، ولاحتياجاتها الراهنة وآمالها المستقبلية أهمية كبرى تفوق رغبات وميول 700,000 عربيًا يقطنون تلك الأرض العتيقة". وكان في تصريحه هذا رفضًا صارخًا لوجود السكان العرب الذين سكنوا هذه الأرض لآلاف السنين، ولتاريخهم وحقوقهم. وبالنظر إلى خلفية الوضع القائم في الساحة السياسية الدولية، يمكن ببساطة الإشارة إلى وعد بلفور كونه يعبر عن "الفكر الاستعماري".
يركز وعد بلفور للعام 1917 إلى دور المجتمع الدولي في إحداث المأساة الفلسطينية وطردهم من وطنهم اي ما يُعرف بنكبة عام 1948. وبعد مرور مائة عام على صياغة وعد بلفور المشؤوم، حان الوقت لكي يتحمل المجتمع الدولي مسؤولياته القانونية والسياسية والأخلاقية، والوفاء بحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف. وما يزال هذا الظلم الجائر المستمر يشكل اختبارًا لمصداقية النظام الدولي، كما أنه يقوّض التشريعات والقوانين ومبادئ حقوق الإنسان التي تشكل حجر الأساس للنظام الدولي، وتساعد في ترسيخ السلام والاستقرار داخل الدول وبينها.
الإرث المرّ لوعد بلفور:
على الرغم من التأثير الكبير الذي أحدثه وعد بلفور على أمتنا، إلا أنه لم يكن مسألة مطروحة للتوافق بالإجماع بين الساسة البريطانيين. وقد استمر الوعد خلال الانتداب البريطاني على فلسطين الذي أثبت أنه محاصر بين حماقة اللورد بلفور والواقع على الأرض. وفي السنوات اللاحقة، اصطدم الاستعمار البريطاني مع التناقضات التي أسفرت عنها وعوده لكل من اليهود والعرب. وقد كتبت العديد من الهيئات البريطانية إلى لندن في محاولة لجعل حكومتها تدرك وتعي أن هناك شعب متجذر يعيش في فلسطين. وفي العام 1922 رفض البرلمان البريطاني الانتداب البريطاني على فلسطين على وجه التحديد لأنه تضمن تنفيذ إعلان بلفور كجزء من أهدافه. وفي الحقيقة كان السير إدوين مونتيغيو اليهودي الجنسية هو العضو الوحيد في مجلس الوزراء البريطاني الذي رفض وعد بلفور بأشد العبارات: "لا أنكر على اليهود حقوقهم المتساوية في الاستعمار مع أولئك الذين يجاهرون بالانتماء إلى ديانات أخرى، لكن من وجهة نظري يبدو لي أن الاختبار الديني للمواطنة هو الاختبار الوحيد الذي يقبل به أولئك الأشخاص الذين لهم نظرة متعصبة وضيقة لحقبة معينة من التاريخ في فلسطين، ويطالبون لليهود بمكانة غير مستحقة لهم".
توقع اللورد بلفور ووعده الخائن أن يتنكر المجتمع الدولي لحقوق الفلسطينيين بعد إقامة إسرائيل. وبعد مرور ثلاثين عاماً على الوعد المشؤوم، وفي 29 تشرين ثاني 1947، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 181 (2) الذي يدعو لتقسيم فلسطين إلى دولتين. ومرة أخرى غضّ هذا القرار الطرف عن آمال الشعب الفلسطيني وطموحاته وحقوقه. ولم يوفر القادة الفلسطينيون جهدًا في إيصال صوت شعبهم إلى بقية أرجاء العالم، وقاموا بزيارة لندن وعواصم أخرى من العالم مرات عدة مطالبين باحترام حقوق الشعب العربي الفلسطيني وبتحديد مصيرهم عبر انتخابات ديمقراطية حرة تعكس إرادة الشعب الفلسطيني. لكن أنكرت الحكومة البريطانية هذه المطالب كافة مسترشدة بأجندة بلفور التي تتنكر لحقوقنا الوطنية والسياسية.
صوّت العالم لصالح تقسيم فلسطين، لكن لم يقتنع الشعب الفلسطيني بهذا التصويت. وكان المجتمع الدولي على استعداد لدعم الرغبة الصهيونية ببناء دولة في فلسطين، لكنه لم يملك التصميم للإشراف على تنفيذ قراراتهم، مما أدى إلى النكبة وطرد أكثر من ثلثي السكان الفلسطينيين من أرضهم كي يصبحوا لاجئين، بما فيهم أنا شخصيًا، حيث تم تطهير مسقط رأسي مدينة صفد عرقيًا بشكل كامل من السكان المسلمين والمسيحيين. ومثل صفد تعرضت أكثر من 418 قرية فلسطينية إلى التطهير العرقي والتشريد القسري والهدم.
فشل المجتمع الدولي في تنفيذ قرار التقسيم رقم 181 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، وبالتأكيد لم يسمح القرار أو يدعو إلى التشريد القسري للسكان الفلسطينيين. كما فشل المجتمع الدولي في تنفيذ القرار 194 (3) الذي يدعو إلى عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم التي شردوا منها. وفي الواقع، كان اعتراف الأمم المتحدة بإسرائيل مشروطًا بتنفيذ إسرائيل لهذا القرار. وبالمثل، وبشكل مخيّب للآمال، فشل المجتمع الدولي في إنفاذ عدد لا يُحصى من قرارات الأمم المتحدة التي تدعو إسرائيل إلى إنهاء احتلالها العسكري الذي بدأ عام 1967 بما في ذلك مشروعها الاستعماري الاستيطاني. وقد شجّع هذا الفشل على إفلات إسرائيل من العقاب مما أدى إلى إطالة أمد الصراع ومعاناة الشعب الفلسطيني وتحمله للظلم الجائر.
من بلفور إلى عام 2017: مائة عام على الافلات من العقاب:
أدى الاحتلال الإسرائيلي الذي بدأ عام 1967 – والتي احتلت خلاله إسرائيل ما مساحته 22% من مساحة فلسطين بما فيها قطاع غزة والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية – إلى نشوء سياسة استعمارية ذات أبعاد متعددة لاستعمار الأرض المحتلة لم تتوقف لأكثر من خمسة عقود، وبذلك تم إضعاف احتمالات التوصل إلى حل سياسي. وعلى الرغم من اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل بموجب قرارات الأمم المتحدة ذات العلاقة وإعلان دولة فلسطين فوق 22% فقط من مساحة فلسطين التاريخية، ما تزال إسرائيل مستمرة في التنكر لحقوق شعبنا الفلسطيني غير القابلة للتصرف في الحرية وتقرير المصير.
إن انتشار المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في أرجاء الضفة الغربية كافة يهدّد احتمالات تحقيق الحل القائم على أساس الدولتين، وهذا بالذات الهدف الذي تسعى الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة إلى تحقيقه والتي لا تخجل من إخفاء نواياها تجاهه. وقد أصبح من المتعارف عليه بشكل واسع بأن الاحتلال العسكري الإسرائيلي الطويل الأمد والمشروع الاستيطاني الاستعماري قد دمرّا عمليًا احتمالات التوصل إلى حل قائم على أساس الدولتين على حدود ما قبل الرابع من حزيران عام 1967 والذي يدعمه المجتمع الدولي، وبالتالي ترسيخ الدولة الواحدة، أي دولة إسرائيل التي تسيطر على أرض فلسطين التاريخية وفي نفس الوقت تفرض نظامين مختلفين: أحدهما لليهود الإسرائيليين وآخر للفلسطينيين.
ومنذ عام 1993 اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية بحق إسرائيل في الوجود ووافقت على المشاركة في جولات متعددة من المفاوضات ضمن عملية السلام في الشرق الأوسط بهدف تحقيق اتفاقية سلام شامل. وبعد مرور عشرين عامًا من المفاوضات أصبح من الواضح أن إسرائيل غير معنية بالسلام. أمّا بالنسبة للفلسطينيين، فإن عملية السلام وسيلة لتنفيذ القانون الدولي وتحقيق العدالة، وهي ليست هدفًا في حد ذاتها لكن لطالما استخدمتها إسرائيل كذلك واستغلت "المفاوضات" كغطاء لتنفيذ المزيد من المشاريع الاستعمارية في الأرض الفلسطينية، بما في ذلك القدس الشرقية، بهدف ترسيخ سيطرتها على الأرض الفلسطينية كافة.
لا تقبل أي من الأحزاب السياسية التي تشكل الائتلاف الحكومي الإسرائيلي بالحل القائم على أساس الدولتين والتي يعترف به ويقرّه المجتمع الدولي. ويستمر قادة الأحزاب الإسرائيلية بالتحريض ونشر خطاب الكراهية ضد الشعب الفلسطيني وحقوقه وطموحاته الوطنية. وشمل التحريض الاستخدام الخطير للدين بغية تبرير جرائم الحرب التي ترتكبها إسرائيل وانتهاكاتها لحقوق الإنسان، وهذه بالنسبة لنا مسألة شديدة الخطورة ولها نتائج عكسية على السلام والأمن الإقليمي والدولي، ولهذا السبب قمنا مرارًا وتكرارًا بتحذير إسرائيل من مغبة محاولتها تحويل صراع قابل للحل السياسي والإقليمي إلى صراع وحرب دينية.
لقد أعاد حزب الليكود الذي يترأسه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو التأكيد على برنامجه السياسي الذي ينفي أي احتمال لإقامة دولة فلسطينية، وعلى هذا الأساس يستمر المستوطنون وقوات الاحتلال في التصرف بكراهية وعدائية تجاه الشعب الفلسطيني، مما يُضعف أكثر فأكثر إمكانية التعايش السلمي بين الشعبين. فالاعتداءات على السكان الفلسطينيين العزّل وممتلكاتهم والاعتداء على المقدسات الإسلامية والمسيحية ما يزال مستمرًا، وما تزال سلطات الاحتلال تهدم بيوت الفلسطينيين وتشرّدهم بشكل قسري كي تمهّد الطريق لمزيد من التوسع الاستيطاني الاستعماري.
إن واقع الدولة الواحدة الذي فرضته الحكومة الإسرائيلية لم يكن ممكناً دون سياسة الإفلات من العقاب الذي حصنها بها المجتمع الدولي. وما كانت المؤسسة الاستعمارية الإسرائيلية لتنجح وحدها في فلسطين المحتلة دون فتح الأسواق الدولية أمام المنتجات الاستيطانية الإسرائيلية غير المشروعة، ودون اتفاقيات التجارة الحرة التي ترحب بهذه المنتجات، ومن دون تربّح الشركات الدولية من الإنكار المنظم للحقوق الفلسطينية، ومن دون التزامات العديد من الحكومات التي لا تأبه بالانتهاكات والجرائم التي ترتكبها اسرائيل، بذلك فقط ستواصل إسرائيل تمتعها بحصانة الإفلات التام من العقاب والمساءلة.
لا تخطئون، فقد تعلمت فلسطين الدروس من وعد بلفور. فشهدنا مؤخرًا صمود الشعب الفلسطيني في مدينة القدس المحتلة الذين رفضوا المحاولات الإسرائيلية الهادفة الى تغيير المكانة التاريخية للمسجد الأقصى المبارك. وقد تردد صدى هذا المشهد الجميل للمقاومة الشعبية السلمية في كل زاوية في العالم. وكما التحم شبابنا وشاباتنا ونساؤنا ورجالنا، مسلمون ومسيحيون، وأعضاء الأحزاب السياسية للدفاع عن القدس، فلا يسعنا هنا إلا أن نتذكر الفلسطينيين الأبطال الذين قاوموا السياسات البريطانية في فلسطين أثناء الإضراب الشهير عام 1936 والانتفاضة الأولى ضد الاحتلال الإسرائيلي عام 1987. فقد أثبت الفلسطينيون للعالم كافة وللكثير من الإسرائيليين أن "الفانتازيا" الاستعمارية في الحديث عن السلام والتعايش لا يمكن أن تنجح ما دامت إسرائيل تتنكر لحقوق الشعب الفلسطيني الذي يقبع تحت احتلال عسكري، وأن حق الفلسطينيين في الحرية وتقرير المصير لا يمكن قهره أو سحقه أو إنكاره.
رؤيتنا لتحقيق سلام عادل ودائم:
ينبغي أن يوجّه صمود الشعب الفلسطيني وثباته رسالة إلى العالم أجمع، وخاصة إسرائيل، مفادها بأنه لن يحل السلام في منطقتنا دون تحقيق حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف. تشمل رؤيتنا للسلام تسوية تستند إلى ما نستحقه بموجب القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة: أي دولة مستقلة ذات سيادة تضع نهاية للاحتلال الإسرائيلي الذي بدأ عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، مع التأكيد على أنه يمكن أن تكون القدس مدينة مفتوحة بين شطريها الشرقي والغربي. كما نرى سيطرة كاملة على مواردنا الطبيعية ومجالنا الجوي والبحري، ونرى أيضًا مطالبنا الواضحة بحرية جميع أسرانا ضحايا الاحتلال الإسرائيلي والإنكار الممنهج لحقوقنا الوطنية. فقضية الأسرى في سجون الاحتلال تعكس الوضع العام في الأرض الفلسطينية، ومن الجدير ذكره أنه منذ عام 1967 احتجزت سلطات الاحتلال الإسرائيلي ما يزيد عن مليون فلسطيني في سجونها. كما أننا نعيد التأكيد على أنه من أجل إنهاء المطالبات مع إسرائيل، لا بد من وجود حل عادل لسبعة ملايين لاجئ فلسطيني مع منحهم حق الاختيار. ومن حق دولتنا التي يشكل سكانها أكبر مجموعة من اللاجئين في العالم، والتي تعاني أطول محنة للاجئين في التاريخ المعاصر أن تصان حقوقها، من خلال تنفيذ قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 ومبادرة السلام العربية.
إن تحقيق سلام دائم وعادل ممكن، لكن ذلك يتطلب التحقيق الكامل لحقوق شعبنا الفلسطيني غير القابلة للتصرف والتي تأخر تحقيقها كثيرًا. إننا نرى واقعًا جديدًا لا يمزق أوصال عائلاتنا بسبب القوانين العنصرية مثل قانون المواطنة الإسرائيلي، وحيث لا تضطر المواهب الشابة إلى مغادرة وطنها بسبب الضغوط الاقتصادية وانعدام الفرص. نرى دولة ترحب بالتجدد والابتكار اللذين طورهما أهلنا في المنافي وفي أماكن اللجوء والأماكن التي هاجروا إليها سواء في الولايات المتحدة الأمريكية أو أمريكا اللاتينية أو أوروبا أو أستراليا أو الدول العربية، والذين أصبحوا ناجحين في مختلف المجالات وساهموا مساهمة فاعلة في تطوير هذه المجتمعات. نرى واقعًا من السلام يساعد ملايين الفلسطينيين من الأطباء الناجحين والمهندسين والمصرفيين والرياضيين والفنانين ورجال الدين والمدرسين والطلاب والعاملين والسياسيين والنشطاء الاجتماعيين من أن يجعلوا من فلسطين وطنًا لهم.
اعترفوا بالحقوق الفلسطينية – واعتذروا:
إن وعد بلفور المشؤوم هو تذكير بأسماع صوت أبناء شعبنا إلى المجتمع الدولي واحترامه. ومن الخطوات لتعويض الفلسطينيين عن الظلم الذي تعرضوا له نتيجة وعد بلفور اعتراف المجتمع الدولي بدولة فلسطين بما في ذلك الاعتراف بمكانتنا الجديدة كـ"دولة مراقب" في الأمم المتحدة التي حصلنا عليها في 29 تشرين ثاني 2012، حيث مكّنتنا هذه العضوية من الانضمام إلى العديد من المعاهدات والاتفاقيات الدولية وإلى العديد من المنظمات الدولية ايضًا. ويصل عدد الاتفاقيات والمعاهدات التي انضممنا إليها حتى اللحظة خمسة وخمسين اتفاقية مثل اتفاقيات جنيف ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
بعد عقود من سيطرة الاحتلال على حياتنا علينا ألاّ نيأس وأن نحافظ على الأمل حياً فينا. وسوف نستمر في البناء على إنجازاتنا في الاعتراف بدولتنا والانضمام إلى المزيد من المعاهدات الدولية، بما يشمل حقنا في تحقيق العدالة للشعب الفلسطيني في المحكمة الجنائية الدولية ومواجهة الجرائم الإسرائيلية المتواصلة، والذي يعكس احترامنا للقانون الدولي واستعدادنا للتمسك بالتزاماتنا ومسؤولياتنا في هذا الخصوص. وفي نفس الوقت سوف نستمر في مساعينا لتحقيق سلام عادل ودائم مع إسرائيل على حدود ما قبل الرابع من حزيران عام 1967. ومن حقنا الاستعانة بالوسائل الدبلوماسية والسياسية والقانونية كافة من أجل حماية وطننا وإنجاز العدالة وتحقيق حقوقنا غير القابلة للتصرف.
ينبغي أن تسير هذه العملية جنبًا إلى جنب مع الجهود المبذولة لضمان اعترافُا ثنائيًا بدولة فلسطين، حيث لا يوجد أي مبرر لعدم الاعتراف بدولة فلسطين إذ كيف يمكن للاعتراف بفلسطين أن يؤثر على احتمالات السلام؟ وكيف له أن يؤثر على المفاوضات؟ إن حقنا في تقرير المصير لم يخضع في اي وقت من الأوقات للتفاوض حيث أكدت صراحة محكمة العدل الدولية في قرارها الاستشاري عام 2004 أن هذا الحق هو حق "لصالح جميع الأطراف". لذلك يتحمل المجتمع الدولي مسؤولية إحقاق حقنا هذا وألا تدعو إلى رفضه أو صرفه عن النظر. وبالتالي سوف نستمر في دعوة الأطراف التي تدعم حل الدولتين إلى الاعتراف بدولتين وليس بدولة واحدة فقط.
وفي نفس الوقت سوف نُبقي الأبواب مفتوحة لإمكانية استئناف المفاوضات مع السعي إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وتحقيق حقوقنا. وكما دعمنا الجهود الفرنسية لعقد مؤتمر باريس للسلام وتقابلنا مع الرئيس الرئيس فلاديمير بوتين والرئيس الصيني شي جنبينغ وقادة آخرين في العالم من أجل هذا الهدف، نرحب بالجهود التي تقوم بها الإدارة الأمريكية فيما أشار إليه الرئيس ترامب بـ"الصفقة التاريخية". وإننا لا نرى أي تناقض بين إجراء المفاوضات والاستمرار في السعي إلى تحقيق العدالة عبر الأدوات القانونية المتوفرة بموجب القانون الدولي في نفس الوقت. ومن حقنا انتهاج جميع الوسائل السلمية لإنهاء معاناة شعبنا وتحقيق حقوقنا غير القابلة للتصرف وآمالنا الوطنية المشروعة.
وتتفهم القيادة الفلسطينية مخاطر الوضع الراهن والحاجة الملحة لإيجاد الحلول له، لكننا سوف نستمر في الطلب من المجتمع الدولي تحمل مسؤولياته، بما في ذلك توفير الحماية لشعبنا، بموجب القانون الإنساني الدولي، والعمل معًا لإنهاء إفلات إسرائيل من العقاب والمساءلة.
ويبقى هدفنا هو تحقيق الحل القائم على أساس الدولتين على حدود ما قبل الرابع من حزيران عام 1967 وأيضًا تحقيق الحرية والعدل لشعبنا. ومع ذلك، نعلم أن حكومة إسرائيل تقوم بما يمكن من أجل جعل تحقيق إقامة دولة فلسطينية مستحيلاً. وعلينا التعامل بجدية مع انعدام الإرادة السياسية للمجتمع الدولي في اتخاذ خطوات حثيثة لإنفاذ القانون الدولي وقرارات الامم المتحدة في فلسطين.
وكما قلت الشهر الماضي في الجمعية العامة للأمم المتحدة، نعرف أن الحرية قادمة وأن الاحتلال إلى زوال، إن لم يكن عن طريق تحقيق الحل القائم على أساس الدولتين على حدود الرابع من حزيران عام 1967 حيث تعيش دولة فلسطين بسلام وأمن مع دولة إسرائيل، فلا محالة إذن عن طريق تحقيق حقوق متساوية لسكان فلسطين التاريخية مسيحيين ومسلمين ويهود من نهر الأردن إلى البحر الأبيض المتوسط. إذ لا يوجد شعب على وجه الأرض يقبل أن يكون عبدًا أو يعيش تحت نظام الفصل العنصري. وقد علّمنا التاريخ ذلك.
 وفي الوقت الذي نحيي فيه ذكرى مرور مائة عام على وعد بلفور المشؤوم، تفتخر الحكومة البريطانية بهذا الوعد المشين الذي سبّب النكبة والمأساة الفلسطينية التي كان لها تداعيات إقليمية ودولية، وتحضر الحكومة البريطانية للاحتفال به. فبدلاً من الاحتفال والتباهي بفترة مظلمة من تاريخ بريطانيا الاستعماري كان من الأفضل للمملكة المتحدة أن تتحمل مسؤوليتها التاريخية والأخلاقية والاعتذار لشعب فلسطين. وفي نفس الوقت ندعو الحكومة البريطانية لاتخاذ الإجراءات المناسبة لتعويض الشعب الفلسطيني عن المأساة التي تسببتها له وذلك بالاعتراف بدولة فلسطين على حدود الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وأن تتخذ خطوات ملموسة من أجل تحقيق الحقوق السياسية للشعب الفلسطيني وهي نفس الحقوق التي تمّ حرماننا منها بسبب وعد بلفور قبل مائة عام. صحيح أن كل ذلك لن يعوّض الشعب الفلسطيني عن النتائج الكارثية الكثيرة التي تسبب بها الاستعمار الأجنبي في منطقتنا، ولا سيما في فلسطين، لكنه سوف يشكل نموذجاً للمجتمع الدولي من أحل تحمل مسؤولياته ويفعل ما يتوجب فعله لإحلال سلام عادل ودائم بين فلسطين وإسرائيل، وتحقيق سلام شامل في الشرق الأوسط، مما سيغير سير حياتنا الفردية والجماعية نحو الأفضل في المستقبل، ويفتح آمالا وأفاقًا أوسع للأجيال القادمة.