الحياة برس - مرت المصالحة الفلسطينية في عدة جولات مختلفة كانت تتعرض للفشل لعدة أسباب تتركز حول تمكين الحكومة الفلسطينية من عملها والخلاف في بعض القضايا الداخلية والسياسية وأحيانا بسبب بعض التدخلات الخارجية في الشأن الفلسطيني.

هذه المرة انطلق قطار المصالحة الذي تحكم بدفته جمهورية مصر العربية، التي تعتبر صاحبة الحق بالتدخل في الشأن الفلسطيني بموافقة جميع الأطراف السياسية الفلسطينية، لما يربط فلسطين من علاقات وطيدة، كما أن قطاع غزة هو جزء مهم جزء من أمنها القومي.

في هذا التقرير سنسلط الضوء على الدور المصري في المصالحة الفلسطينية وكيف استطاعت القيادة المصرية أن تقنع الأطراف الفلسطينية المتصارعة لإنهاء الإنقسام.

في هذا السياق قال الكاتب والباحث السياسي الفلسطيني منصور أبو كريم للحياة برس، أن الدور المصري هذه المرة كان فعالاً وكبيراً، وتميز بقدرة القاهرة على إحتواء حركة حماس واستطاعت خلال أشهر من العمل المتواصل أن تدفع حماس للتخلي عن ارتباطها بجماعة الإخوان المسلمين من جهة، والتخلي عن تحالفاتها الإقليمية وخاصة قطر وتركيا من جهة أخرى، ورفع الفيتو الأمريكي والإسرائيلي عن المصالحة.

وتوقع كريم أن يكون إنهاء الإنقسام هو مقدمة لتسوية سياسية قريبة في المنطقة.

وعن الدور الإقليمي والدولي وهل كان له دوراً في مساعدة الجانب المصري، رأى منصور أن هناك موافقة دولية وإقليمية فعلاً لإنجاز هذا الملف، وهو ما أعطى القاهرة قدرة كبيرة على التحرك بحرية، لأنها تتحرك في إطار تحالف عربي يجد دعم أمريكي متصاعد منذ وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للرئاسة الأمريكية التي أعادت تحالفاتها التقليدية مع مصر والسعودية والإمارات على حساب دول أخرى منافسة في الإقليم مثل قطر وتركيا وإيران، عقب تعير الإستراتيجية الأمريكية لمنطقة الشرق الأوسط.

وحول الدوافع المصرية للتحرك في الملف الفلسطيني، قال أنها دوافع كثيرة ومتعددة، حيث أن مصر بعد انشغالها منذ ثورة يناير 2011، استشعرت بخطورة الوضع في قطاع غزة لأنه جزء من أمنها القومي، كما أن طرح الرئيس الأمريكي لخطة سلام يحتاج لترتيب البيت الفلسطيني.

وأضاف كريم أن غزة هي البوابة الجنوبية لمصر وكل الغزوات التي تعرضت لها مصر كانت من تلك البوابة، ويجب تأمينها بمصالحة فلسطينية قوية.

ورأى منصور أن الدور المصري لن يتوقف في المرحلة المقبلة، حيث سيكون مراقباً للمصالحة الفلسطينية عبر جهاز المخابرات العامة المصرية الجهة المسؤولة عن ملف القضية الفلسطينية، ووجود رئيس المخابرات المصرية في غزة رسالة للعالم بأن مصر استعادة الملف الفلسطيني بكامله.

وحذر الباحث السياسي من الأخطار التي تواجه القضية الفلسطينية في استمرار انسداد الأفق السياسي والاجراءات والممارسات الإسرائيلية التي تحاول من خلالها تثبيت حقائق جديدة على الأرض في الضفة الغربية والقدس، بالإضافة لاستمرار المعاناة في غزة، في ظل تردي للأوضاع الإنسانية، بسبب الحصار الإسرائيلي والانقسام.

صفقة القرن

من جانبه قال الكاتب والمحلل السياسي الدكتور جمال أبو نحل للحياة برس أن هناك مشروع يسمى بـ " صفقة القرن "، وهو ما يتمثل بضياع القضية الفلسطينية وفرض الحكم الذاتي بالضفة الغربية وتبعيتها للأردن، وسط تطبيع عربي مع إسرائيل.

وأضاف أن القدس تتعرض لعملية تهويد كبيرة، وعبر عن خشيته من التركيز على ملف قطاع غزة وتجاهل القدس في هذه المرحلة، كما عبر عن خشيته من محاولة اسرائيل إزاحة السلطة الفلسطينية من الضفة الغربية لقطاع غزة، ومحاولة عمل دولة بغزة وتهويد الضفة والقدس.

وحول أهمية المصالحة لمصر، قال أبو نحل أن هناك أخطار تواجه مصر من الأنفاق وتنظيم الدولة " داعش "، فالمصالحة تؤمن لمصر حدودها الجنوبية وتمنع تسلل العناصر " التكفيرية "، ويتم استرجاع الأمن في سيناء.

ملف دحلان مناورة مصرية

الباحث المتخصص في العلاقات الدولية رائد نجم رأى أن دور مصر كان جدياً هذه المرة ومصراً على تحقيق المصالحة بسبب الظروف الإقليمية والتغيرات التي حدثت، حيث أن هناك تنافس واضح بين عدة أطراف إقليمية وهي تركيا وإيران والمحور العربي وإسرائيل، وحسم الملف الفلسطيني في اطار المنافسة بين هذه الاطراف ووقف التلاعب الاسرائيلي بهذه المحاور ومحاولة استغلال الخلافات لإدامة الاحتلال الاسرائيلي للأراضي الفلسطينية والتهرب من عملية السلام.

وقال نجم للحياة برس أن مصر نجحت بجمع الفلسطينيين، لعدة أهداف وهي :" محاصرة اسرائيل ودحض روايتها حول عدم جاهزية الفلسطينيين بسبب انقسامهم. وكشف الطرف الحقيقي المعطل لعملية السلام امام الولايات المتحدة والمجتمع الدولي. واحتواء حماس وابعادها عن تحالفها التقليدي مع قطر وتركيا وقد ساهم في ذلك المقاطعة العربية لقطر الراعي والممول لحكم حماس في قطاع غزة مدعوماً بالطموح التركي لاعادة حكم المنطقة في اطار خلافة عثمانية جديدة عبر دعم جماعة الاخوان للوصول للحكم ومنهم حكم حماس في غزة. كما نجحت في تهدئة موجات الارهاب التي ضربت سيناء والحفاظ على امنها القومي عبر جلب حماس الى مساحة التعاون وحفظ الحدود والتخلي عن البقاء حلقة في مشروع الاخوان في المنطقة ".

وتطرق نجم لعلاقة مصر بالنائب والقيادي المفصول من حركة فتح محمد دحلان، ووصفها بأنها مناورات، حيث قامت بدعم تياره واستضافة مؤتمرات لأفراده، ومن ثم بيع السولار لحماس في ظل محاولات الرئيس أبو مازن تضييق الخناق على حماس لإستعادة الوحدة، فبهذا نجحت في ازالة مخاوف الرئيس ابو مازن وقدمت المصالحة كجزء من رؤية متكاملة لتوحيد الفلسطينيين واعداد الساحة للتعامل مع الرؤى السياسية المطروحة.
وأضاف نجم أنه في ظل الوضع الداخلي الفلسطيني بداية من الظروف الإقتصادية والإجتماعية للسكان وسط زيادة الضرائب من حركة حماس وتراجع الدعم القطري، أصبح إستمرار حماس في الحكم بمثابة انتحار سياسي لها، لعدم قدرتها على توفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة للسكان، وهو ما مس بفكرة الصمود للسكان على أرضهم ورفع معدلات الهجرة والجريمة والفقر والبطالة.

كما أن تغيير قيادة حماس وانتقال الثقل الى قيادة حماس في غزة كان له دوراً في الذهاب باتجاه الخيار المصري والتي رات في الافكار المصرية رؤية كاملة تعالج الخلل في المشهد الفلسطيني المختل لصالح اسرائيل. وبحسابات السياسة والمصالح فقد اصدرت حماس وثيقة في مايو وافقت فيها على دولة فلسطينية على حدود 1967 وهو ما يجعل التقارب مع م ت ف مقبولا على قواعدها. كما ان حماس بموافقتها تتحلل من كل اعباء الحكم وتضمن حصة وظيفية لاعضائها تتحمل السلطة اعباء الموازنات اللازمة لها.

وحول عملية السلام قال نجم أن هناك رؤية أمريكية لإنجاح العملية السياسة مما يتطلب انجاح المصالحة، وكان للدور الأوروبي جهداً كبيراً لإنجاحها عبر طرح الورقة السويسرية لإستيغاب الموظفين، ولكن مجيئ ترامب غير المعادلة وحافظ على التحالف التقليدي.

وحذر نجم من أن الإنقسام أثر على قوة السلطة الفلسطينية والرئيس عباس أمام إسرائيل والعالم، وكان سبباً بانعدام التواصل بين غزة والضفة الغربية ومنع تمدد سكان غزة بالضفة الغربية وتنقلهم عبر الطريق الآمن، كما أن وجود دولة في غزة يعني شطب حق اللاجئين والتراجع عن فكرة دولة على حدود 1967.

وحول الأخطار التي تواجه مصر اتفق نجم مع تصريحات المحللين في ضرورة توفير الأمن في غزة لحماية سيناء، ولكن نوه لخطورة ضياع الفرصة بإقامة الدولة الفلسطينية، مما يعني خطر تمدد اسرائيلي على حدودها ومواصلة مخطط تقسم المنطقة وتفتيتها.

وتوقع نجم أن يكون لمصر دور متواصل لإقامة كيان فلسطيني مستقل وحشد الدعم العربي له، ليساهم في وقف التهديد المستمر للأمن القومي المصري من الجهة الشرقية ولن تسمح بعودة قوى أخرى للتحكم في هذا الملف.

سيناريو الانفصال

من جانبه قال الباحث السياسي يحيى قاعود للحياة برس أن القيادة المصرية كشفت الخلل في الحوارات السابقة، ولعبت دورا محايداً أكثر منه وسيطاً، كما أن نضوج حماس ونيتها لتحقيق المصالحة أدى لنجاح الدور المصري.

ونفى قاعود أن يكون هناك قرار دولي رسمي لإتمام المصالحة الفلسطينية تمهيدا لحل إقليمي قادم، منوهاً أن عدد من العواصم العربية حاولت أن تكون المصالحة من خلالها إلا أن بوابة المصالحة لم تكن إلا من مصر لأهمية غزة للأمن القومي المصري.

وحول صفقة القرن رأى الباحث السياسي، أن ما يشاع من "صفقة القرن" تتطلب موافقة الطرف الفلسطيني، وكان الأفضل للعالم بأن يبقى الوضع الفلسطيني ممزقاً لإتمام وإقامة "غزة الكبرى". ولن يقبل الفلسطينيون بأقل من الحد الأدنى للسلام وهو إقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران 1967م، وهذا متوافق عليه فلسطينياً ودولياً. وكذلك الاتحاد الأوروبي يدعم المصالحة، وكانت هناك المبادرة السويسرية للمصالحة والتي استعانت بها حركة حماس في هذه المصالحة لدمج موظفيها.

ويرى قاعود أن مصر تريد من المصالحة تحقيق الأمن على حدودها، وتمكين السلطة الفلسطينية من المعابر والحدود حسب الاتفاقيات الدولية.

وحذر قاعود من أن استمرار الإنقسام كان سيجعل قطاع غزة أمام سيناريو الإنفصال، وقد حاولت بعض الأطراف تعزيز هذا الأمر ولكن كل المحاولات باءت بالفشل، واختارت حماس أن تتم المصالحة والتعاون وعدم إلغاء الآخر على غرار التجربة التونسية.

وتوقع قاعود أن تعمل مصر على تأمين وإتمام ملفات المصالحة الفلسطينية وأهمها: ملف الموظفين، ومعبر رفح البري، وتمكين حكومة الوحدة من مهامها في كافة مؤسسات السلطة الوطنية.

مصر تحررت من القيود

المختص في الشأن الفلسطيني الباحث أحمد دلول، قال للحياة برس أن مصر كانت تتحرك بحرية في ملف المصالحة هذه المرة بدون عقبات من بعض الدول الإقليمية كما أن الأطراف الفلسطينية باتت بحاجة لهذه المصالحة في ظل الأزمات المتلاحقة.

ويرى دلول أن البعض كان يرى أن الإنقسام الفلسطيني هو تجسيد للإنقسام والتجاذبات الخارجية، والآن يوجد دعم إقليمي ودولي لاتمام المصالحة.

وأضاف المصالحة وإنهاء الانقسام تؤدي إلى وحدة القرار الفلسطيني ووحدة التمثيل الفلسطيني، وهذا من شأنه تقوية القيادة الفلسطينية حينما تتواصل مع العالم الخارجي، وبالطبع هذه المصالحة تساهم في توحيد الجهود الفلسطينية نحو وقف الاستيطان في الضفة والتهويد في القدس وتمهِّد الطريق للحصول على الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وبالتأكيد ستؤدي المصالحة إلى تجاوز أغلب أزمات قطاع غزة وتقطع الطريق على إسرائيل من شن حرب على قطاع غزة، حيث لا نستبعد أن تشن إسرائيل حربا على قطاع غزة أقل ما يمكن وصفها بأنها حرب كسر جماجم بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي.

وتوقع دلول أن يتولى الجانب المصري إدارة الملف الأمني وإدارة المفاوضات أو المباحثات حول سلاح المقاومة، وكذلك الاشراف أو المشاركة في إعادة هيكلة المؤسسات الحكومية ودمج الموظفين فيها.