الحياة برس - في حادثة هي الأولى من نوعها في قطاع غزة، أقدم شاب لا يتجاوز من عمره الـ 20 عاماً على تفجير نفسه بمجموعة من عناصر جهاز الضبط الميداني على الحدود المصرية الفلسطينية الأمر الذي أدى لمقتل الانتحاري واستشهاد أحد أفراد الجهاز.

انطلقت التحليلات الكثيرة من المحللين السياسيين والمواطنين الذين توقع بعضهم أن تكون هذه بداية لمرحلة جديدة من الصراع مع الجماعات السلفية فيما عبر آخرون عن خشيتهم من دخول القطاع في مزيد من الأزمات الدامية تضاف لأزماته الحالية، من جانبها أكدت الجهات المسؤولة في غزة أن هذا العمل هو عمل عابر وطمئنت المواطن الغزي أنه لا يوجد في القطاع جماعات تستطيع أن تخترق الأمن وتنفذ عمليات من هذا النوع.

تطرقنا في الحياة برس لهذا الموضوع مع عدد من المحللين السياسين للكشف عن أسباب وتداعيات هذا العمل.

قال المحلل السياسي الدكتور جمال أبو نحل أن الجماعات السلفية غيرت سياستها بالتعامل مع حركة حماس بعد اعتقال العشرات من حملة الفكر المتشدد.

وتوقع أبو نحل أن تكون هذه العملية هي مجرد رد فعل فقط من المنفذ لرفضه أن يتم اعتقاله خلال محاولته الخروج باتجاه سيناء، وأضاف أن استمرار الوضع الراهن في القطاع وانغلاق الأفق السياسي قد ينذر بالمزيد من العمليات الأكثر مأساوية.

وأضاف أبو نحل أن الأجهزة الأمنية في غزة ستضرب بيد من حديد وستلاحق هذه الجماعات، منوهاً إلى أنه يجب معالجة الفكر المتطرف بالفكر الوسطي والعنف لن يصل لأي حل معهم 

من جانبه لم يستبعد المحلل السياسي أحمد دلول أن تكون هذه العملية تغير في سياسة الحركات المتشددة تجاه حماس، بعد أن وجهت الاتهامات لها بأنها غير قادرة على تطبيق الشريعة الاسلامية على نحو ما كانت تتمنى تلك الحركات.

وأضاف أن الفكر " التكفيري " المتشدد يتنامى في قطاع غزة والتفجير هو من أعراض هذا الفكر الذي وصفه بـ " المتشنج ".

وتوقع دلول أن تزيد حركة حماس من قبضتها الأمنية والعسكرية في القطاع خاصة على من وصفهم " بالمتشددين "، مؤكداً أن العملية كانت مجرد رد فعل.

ولم يستبعد دلول في حديثه للحياة برس أن تتكرر مثل هذه العمليات اذا وجدت تلك الجماعات الفرصة مواتية لذلك، وأن تكون المناطق الأكثر انفتاحاً في قطاع غزة أو المواقع العسكرية لفصائل المقاومة والمساجد اهدافاً لتلك الجماعات.

وحول الأسباب للوصول لهذه المرحلة من التشدد والعنف، قال دلول أن العوامل السياسية والاقتصادية تلعب دوراً كبيراً في اذكاء حالة التطرف في القطاع، منوهاً إلى أن بعض عناصر الفصائل نقموا على الحالة السياسية والاقتصادية وتحولوا لتنظيمات " داعشية متشددة ".

كما أن الانقسام بين حركتي فتح وحماس وبرضى بقية الفصائل زاد من احتمالات انضمام الشباب إلى الحركات المتشددة، خاصة أنه تزامن مع أوضاع اقتصادية معيشية صعبة في ظل ارتفاع معدلات البطالة وقلة التوظيف والتشغيل. 

أيضاً عدم قيام حركة حماس بتطبيق الشريعة الإسلامية وفرض الحدود خيَّب آمال بعض الشباب وجعلهم أكثر تطرفاً، لأنهم شعروا بخذلان حركة حماس لهم.

وأضاف أن الافكار السلفية المتشددة البعيدة عن الواقع أيضا ساهمت بتطرف بعض الشباب، وسياسة القمع والاضطهاد والمحسوبية أيضا تؤدي للتطرف.

وتطرق دلول للحالة الاجتماعية والنفسية السيئة التي تؤدي لتطرف البعض.

وعن تأثير هذه العمليات على مسار المصالحة الفلسطينية توقع دلول أن تسهم في تأخير المصالحة الفلسطينية وإطالة أمد الانقسام لخوف بعض الأطراف من الدخول في مصالحة تشهد منطقتها الجغرافية حالة من التطرف.

وأخيراً أكد دلول أن الملاحقة الأمنية غير كافية ولها انعكاسات سلبية وقد يرد المتشددون بالمزيد من التفجيرات، ودعا بالعمل على محاربة الفكر المتشدد بالفكر المعتدل والدخول في حوار مع قيادات الفكر المتشدد بالتزامن مع جلسات العلاج النفسي " لصغار المتطرفين ".

في ذات السياق رأى الكاتب والباحث السياسي منصور أبو كريم أن تفجير عنصر من السلفية الجهادية نفسه بمجموعة من كتائب القسام نقطة تحول في علاقة الطرفين وتنذر بمرحلة جديدة من الصدام بينهما.

وأضاف للحياة برس أن هذا العمل يضيف تحد جديد أمام حماس بالاضافة للتحديات الأخرى والتي تتعلق بعلاقتها مع السلطة الفلسطينية بما يخص المصالحة بالاضافة للأزمات في القطاع والتحدي الأكبر الاحتلال الاسرائيلي.

وخلافاً للآراء السابقة يرى أبو كريم أن العملية كانت مقصودة ومنظمة في سياق رفض الجماعات المتشددة اغلاق الحدود المصرية الفلسطينية التي تحد من قدرة الجماعات من تنفيذ هجمات مسلحة انطلاقا من القطاع.

وتوقع أبو كريم أن حركة حماس سوف تواجه هذه الجماعات بكل قوة وحزم، فالحركة لا تقبل المساس بأمن جهازها العسكري، وهذا ما فعلته من قبل مع حالة الشيخ عبد اللطيف موسى، برفح، ولكن قد تدفع الحركة بتجاه إجراء محادثات مع قادة هذه الجماعات، لأن استخدم القوة المفرطة في التعامل مع هذه الجماعات الأيديولوجية، صاحبة الفكر المنغلق، قد تدفع الأمور نحو التصعيد مع إسرائيل، عبر اطلاق هذه الجماعات صواريخ بتجاه إسرائيل، رداً على إجراءات حماس الأمنية، وهذا ما حدث في السابق، لذلك اعتقد أن حماس لن تفرط في استخدام القوة، وعبر إجراء اعتقالات تعسفيه للمحاذير السابقة. 

وحول توقعاته في تكرار مثل هذه العمليات قال أبو كريم : " البيئة في قطاع بيئة خصبة لانتشار الأفكار المتطرفة، خاصة أن القطاع يعاني من تردي للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، هذا الوضع المتردي يعتبر دافع للشباب للانتماء لهذه المجموعات، وتبني الفكر المتطرف، وبالتالي تكرار مثل العمليات أصبح أمر وارد، خاصة في ظل اتساع الفجوة بين هذه المجموعات التي تتبنى الفكر السلفي الجهاد الذي يخوض حروب كثيرة في المنطقة، وبين حركة حماس التي تعتبر حركة اسلام سياسي وسطي معتدل، فحالة الصدام بين الطرفين ليست جديدة، فهناك صدام فكري وأمني وسياسي سابق لهذه العملية بين الطرفين، فمنذ سيطرة حماس على غزة دخلت العلاقة بين الطرفين في حالة توتر، بسبب رفض حماس سلوك وتصرفات هذه الجماعات التي ارتكبت العديد من المخالفات في خلال الفترة السابقة، كان أهمها قتل الناشط الإيطالي، أرجوني قبل سنوات ".

ولم يعفي الباحث أبو كريم الأوضاع السياسية والاقتصادية في قطاع غزة من المسؤولية عن انتشار الفكر المتطرف حيث أن التطرف هو وليد للأزمات.

وفيما يخص ملف المصالحة وتأثير هذه العملية عليه أكد أبو كريم انها لن تأثر شيئاً، منوهاً أن انعدام الثقة بين الأطراف الفلسطينية وتفضيلها للحلول المؤقتة وغياب الإرادة السياسة لانهاء الانقسام هو السبب في استمرار حالة الانقسام.

وحذر أبو كريم من أن الملاحقة الأمنية للجماعات المسلحة في غزة ستعزز من ثقافة الانتقام التي كانت دافعا لعملية رفح، داعياً للحوار الديني والسياسي بعيداً عن القبضة الأمنية التي تزيد الأمور تعقيداً.