( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )

في أقل من أسبوع ثلاثة لقاءات تجمع حركة حماس مع مسؤولين إيرانيين أخرهم لقاء مع وزير الخارجية محمد ظريف، هذه اللقاءات التي جاءت بعد ست سنوات تقريبا من العلاقات الباردة والمتوترة وشبه المقطوعة بين حماس وإيران على إثر الأزمة السورية وخروج حماس من دمشق ورفضها الموافقة على سياسة النظام السوري في التعامل مع مطالب الشعب السوري.
بداية لابد من التفصيل قليلا في أسباب توتر العلاقة بين حماس وإيران إلى حد القطيعة على إثر الأزمة السورية، ومن ثم هذا التحول في العلاقة بين الجانبين والتطور السريع هذه الايام مع الحديث عن زيارة مرتقبة لرئيس المكتب السياسي لحماس إسماعيل هنية إلى إيران، بعد رفض خالد مشعل الرئيس السابق للحركة زيارة إيران طيلة سنوات الأزمة في سورية على الرغم من الدعوات المتكررة له لزيارة طهران.
لا شك أن موقف حماس من الأزمة السورية لم يلقى قبولا من النظام السوري وحلفائه الإيرانيين وحزب الله اللبناني، حيث شكل خروج حماس من سورية بمثابة طلاق مع النظام السوري بعد سنوات من العلاقات المتميزة والظروف الجيدة التي كانت تتمتع بها حماس في دمشق في مختلف المستويات، لكن جميع هذه الامتيازات لم تكن كفيلة بأن توافق حماس على تعامل النظام السوري مع مطالب الشعب السوري بالحرية والإصلاح.
لكن حماس وفق تصريحات لقيادات في الحركة تحدثت أن رئيس المكتب السياسي السابق لحماس خالد مشعل والذي يعتبر أكثر قيادات المقاومة الفلسطينية شعبية عند السوريين، إلا أنه اليوم من أكثر القيادات كرها لدى النظام السوري بعد رفضه عام 2012 إجراء لقاء صحفي مع التلفزيون الرسمي السوري والحديث عن المؤامرة على سورية وإعلان دعمه للنظام السوري، وكانت القشة التي قصمت ظهر العلاقات بين حماس والنظام.
ومع بداية الأزمة سعى خالد مشعل لحل الإشكال بين النظام وأهالي درعا، حيث دعا النظام إلى التجاوب مع مطالب الأهالي وإجراء بعض الإصلاحات التي كانت ستنهي الإشكال في درعا وتمنع تفاقم الأزمة السورية وصولا إلى حالة الصراع والتدمير الحالي.
كما أن حماس في نهاية 2011 أقامت العديد من مراكز الإيواء للنازحين السوريين إلى مخيم اليرموك وقدمت لهم الغذاء والدواء وحتى الحماية من الاعتقال، كذلك لا تزال هيئة فلسطين الخيرية المحسوبة على حماس تقدم المساعدات الغذائية والعلاج والتعليم وكانت سببا في دعم صمود أهالي مخيم اليرموك في ظل الحصار المفروض عليه لسنوات.
بالمقابل فإن العديد من فصائل المعارضة السورية لم تكن راضية تماما عن موقف حماس من الأزمة السورية ولأسباب مختلفة منها مثلا العلاقة مع إيران رغم أنها في حالة موت سريري طيلة سنوات الأزمة الست ، وتعرضت الحركة لسلسلة من الانتقادات من جيش الإسلام أكبر فصائل المعارضة والمدعوم سعوديا وذلك حول علاقات حماس بإيران وحزب الله.
ما تريده المعارضة السورية وقوف حماس السنية إلى جانبها عسكريا بشكل كامل وعلني في مواجهة النظام على غرار قتال حزب الله الشيعي مع النظام ضد المعارضة السورية انطلاقا من الحسابات الطائفية وقدرات حماس فيما يعرف بقتال المدن، الأمر الذي لم يكن معلنا من قبل حماس على الرغم من وجود هذا الدعم العسكري من كوادر محسوبة على حماس لكن هو أقل من تطلعات المعارضة السورية.
كذلك لم تكن حماس بعيدة عن نيران القاعدة في سورية، حيث استهدف تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" كوادر حماس ممن بقوا في المخيمات الفلسطينية خاصة في اليرموك حيث اغتال التنظيم القيادي في حماس يحيى حوراني والعديد من كوادر الحركة في سورية، وتحدث التنظيم عن مسببات استهدافه لحماس في سورية ردا على مواجهة حماس للمتطرفين في قطاع غزة.
بالإضافة أن النظام السوري يعتقل العشرات من كوادر حركة حماس من أبناء المخيمات الفلسطينية في سورية، وأصبح الانتماء لحركة حماس تهمة تستوجب الاعتقال والتغييب وحتى الموت في السجون، واعتقد أن اليوم وفي ظل تطور العلاقات مع ايران أن حماس مطالبة بالإفراج عن كوادرها وكذلك المعتقلين الفلسطينيين في سورية كأحد المكاسب من تجديد العلاقة مع إيران، لا فقط مكتسبات على صعيد المقاومة، لأن إيران بالمقابل تجد في حركة حماس تطهيرا لذاتها من الإجرام بحق الشعوب العربية السنية في سورية واليمن والعراق، وايران تبحث عن موطئ قدم لها من جديد ضمن مربع المقاومة ضد "إسرائيل" والتي أثبتت السنوات الماضية أن ايران غير معنية بمحاربة الإسرائيليين وحتى حزب الله اللبناني الذي استخدم كل قوته العسكرية في حربه بسورية كشفت طائفية هذا الحزب وأن معركته مع أهل السنة وليس مع الاحتلال الصهيوني.
ورغم نفي حماس علاقتها بكتائب أكناف بيت المقدس التي أعلن عن تشكيلها من قبل كوادر مفصولين من حماس في سورية سنة 2012، إلا ان النظام السوري والمعارضة معا ينسبان هذه الكتائب المسلحة لحركة حماس.
كتائب أكناف بيت المقدس التي فككت في 2015 واجهت النظام السوري وحزب الله والمجموعات الشيعية التابعة لإيران والفصائل الفلسطينية الموالية لدمشق، وتعبتر هذه أول مواجهة بالسلاح بين حماس وإيران فعليا سقط فيها ضحايا من الطرفين.
كما دعمت الأكناف فصائل المعارضة في مختلف الجغرافيا السورية سواء بالتدريب العسكري والتخطيط وحفر الأنفاق وتصنيع الصواريخ وغيرها من القدرات العسكرية، التي ساهمت في تفوق المعارضة في العديد من المعارك مع النظام السوري وعلى سبيل المثال لا الحصر فإن كتائب المعارضة التي تمكنت من الصمود في مدينة داريا بدمشق لسنوات رغم المعارك والقصف المتواصل بشتى أنواع الأسلحة كانت تلقت تدريبات من قبل كتائب الأكناف، والتطور النوعي كان في قصف الأكناف بصواريخ الغراد للمستوطنات الاسرائيلية في شمال فلسطين المحتلة انطلاقا من الأراضي السورية خلال الحرب العدوانية الإسرائيلية على قطاع غزة سنة 2014، وقتها تحدث الاعلام الإسرائيلي عن سقوط أربعة صواريخ غراد على المستوطنات أطلقتها مجموعات محسوبة على حماس من سورية، وهي المرة الأولى التي تستهدف فيها المستوطنات الإسرائيلية في فلسطين المحتلة من جنوب سورية منذ حرب تشرين 1973.
اليوم أمام هذه المعطيات يتلخص موقف حماس من الأزمة السورية، هذا الموقف الذي لم يقبله النظام السوري وإيران وحزب الله ولم ترضى عنه المعارضة السورية نسبيا، موقف حماس الذي جاء منسجما بشكل أو أخر مع موقف أهل السنة في ظل تحول الحرب في سورية إلى معركة طائفية، لذا توجهت قيادات وكوادر حماس إلى قطر وتركيا بعد خروجهم من دمشق، مع تجميد للعلاقات مع إيران في مستويات مختلفة.
لا شك فيه أن حماس دفعت ثمنا كبيرا بعد خروجها من دمشق بتقدم المبادئ على المصالح، حيث جففت منابع الدعم الإيراني للحركة مما جعلها تعيش ضائقة مالية كبيرة، سعت قطر للتخفيف والتعويض فيما يتعلق بدعم قطاع غزة الذي يعاني حصارا إسرائيليا خانقا، كما استقبلت قطر خالد مشعل وأعضاء المكتب السياسي لحماس بعد خروجهم من دمشق، والجميع يعلم عن الخلاف بين الدوحة ودمشق فيما يتعلق بالأزمة السورية.
حتى أن القيادي في الحركة صالح العاروري والمشارك في اللقاءات مع إيران، كان أبعد من تركيا ومن ثم غادر قطر ولم يجد دولة سنية واحدة ليواصل عمله المقاوم حيث يعتبره الاحتلال الصهيوني المسؤول عن المقاومة في الضفة المحتلة، لم يترك للعاروري خيار إلا القبول بأن تكون الضاحية الجنوبية في بيروت وجهته الجديدة وهذا ما يتمناه حزب الله الذي يسعى إلى تبيض صورته وأفعاله.
حماس وجدت نفسها أمام اصطفاف طائفي في المنطقة، هذه الحركة السنية المقاومة والتي تجاوبت مع الشعوب الإسلامية السنية في الانحياز إلى مطالبها في الحرية والإصلاح ودعم ثورات الربيع العربي، هذا الأمر جعلها محل استهداف من العديد من الحكومات العربية خاصة دولة الامارات التي تربطها علاقات مع "إسرائيل" ولها تاريخ حافل باستهداف حركة حماس سياسيا واعتقال كوادرها.
كذلك رغم العلاقة المتوترة بين حماس وإيران وبشكل طبيعي رفض حماس للمشروع الفارسي في المنطقة الذي تقوده طهران، ودعوات حماس بالعلن والسر المتكررة للدول العربية بضرورة دعم المقاومة الفلسطينية والشعب الفلسطيني سياسيا وماليا وانسانيا وقطع الطريق على إيران لاستغلال حاجة المقاومة لتطوير قدراتها العسكرية في مواجهة الاحتلال، وتأمين الدعم الإنساني لقطاع غزة المحاصر ونصرة القدس والأقصى.
السعودية التي تعتبر نفسها المدافع عن الأمة العربية في مواجهة المد الفارسي الشيعي، والتي من المفترض أن ترد بإيجابية على دعوات حماس، كانت عاملا إضافيا في دفع حركة حماس إلى إيران مجددا، السعودية التي اعتقلت قيادات من حماس ومنعت السعوديين من دعم الحركة، ولم يتوقف الأمر عند ذلك حيث كانت الرياض منطلقا لوصف المقاومة الفلسطينية ونضال الشعب الفلسطيني بالإرهاب خلال قمة الرياض على لسان الرئيس الأمريكي ترامب في ظل صمت مطبق من زعماء الدول الإسلامية.
كذلك الرياض اليوم تعتبر بوابة التطبيع العربي مع الاحتلال الصهيوني تماشيا مع مشروع ترامب في المنطقة وبناء علاقات عربية إسرائيلية تستهدف الشعب الفلسطيني ومقاومته، وترافق ذلك مع ماكينة إعلامية سعودية إماراتية ضد المقاومة وحماس والشعب الفلسطيني، وما حصار السعودية والامارات ومصر لقطر إلا من باب التضييق على المقاومة الفلسطينية انطلاقا من ملف مكافحة الإرهاب وخدمة مجانية للاحتلال وعربون صداقة.
كما أصبحت عبارة "حركة حماس الإرهابية" موضة هذه الأيام في الإعلام السعودي وهذا ما قالته صحيفة سعودية تعليقا على زيارة وفد حماس إلى إيران، هذه الصورة التي ظهرت لوفد حماس بدون أي مسؤول إيراني، فماذا يقول الإعلام السعودي عن أحضان وقبلات وزير خارجيته عادل الجبير مع وزير الخارجية الإيراني خلال قمة منظمة مؤتمر التعاون الإسلامي في إسطنبول مؤخرا...؟
اللافت في الأمر أن حماس كانت تتعرض في سنوات ماضية من الأزمة السورية واليمنية من خلال أي موقف أو تصريح تدعم فيها إيران وحزب الله، كانت تتعرض للشتم من قبل الشعوب قبل الحكومات، اليوم لا نكاد نسمع موقف شعبي يدين زيارة حماس الأخيرة لإيران، أو على الأقل كما كان في سنوات سابقة، وهذا يعكس إدراك الشعوب العربية أن حماس في موقف لا تحسد عليه.
ختاما الواضح أن السعودية والإمارات تدفع بحماس إلى إيران من جديد، وكأنها سياسة متفق عليها بين السعودية وإيران، وأن هذا العداء بين الجانبين ليس إلا امام الإعلام وما خفي بينهما أعظم بكثير، وفعلا كأننا نتحدث عن زواج متعة بين حماس وإيران بفتوى سعودية، والفترة القادمة كفيلة بالإجابة على التساؤلات هل سيكون لحماس دور في بناء محور سني شيعي ممثلا بقطر وتركيا وإيران، وهل ستلعب الحركة دورا في انهاء نزيف الدم السوري والأكثر من ذلك هل ستعود حماس إلى دمشق؟