( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
استمرت العلاقات الصينية الروسية بالنمو بشكلٍ متسارع على عدة أصعدة ، على رأسها التفاهمات السياسية حول القضايا بين البلدين و بين دول العالم ، بالإضافة إلى تطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين . وهذا ما شهدته السنوات الأخيرة من نمو سريع للعلاقات الاقتصادية بين روسيا والصين، وهو ما يعتبره الخبراء والمراقبون دليلاً على زيادة التقارب بين البلدين. فقد ارتفع حجم التبادل الاقتصادي والتجاري بين البلدين بنسبة خمسة عشر في المائة مقارنة بما كان عليه في عام 2017. وبلغ رقماً قياسياً كبيراً قدره مئة مليار دولار.وعلى الرغم من أنَّ الصين هي ثاني أكبر شريك تجاري لجمهورية روسيا الاتحادية بعد الاتحاد الأوروبي ، وأكبر شريك لروسيا في حقل الواردات والصادرات ، فإن السوق الروسي يمثل، في أفضل حالاته، سوقًا من الدرجة الثانية بالنسبة إلى جمهورية الصين الشعبية .وفي حساب المراتب الاقتصادية تأتي روسيا في المرتبة العاشرة بالنسبة إلى الصادرات الصينية، كما أنها لا تأتي أيضاً ضمن الدول العشر الأولى، سواء في الواردات أو في التجارة الإجمالية.
فعلى الرغم من الروابط الاقتصادية بين الصين وروسيا التي تزداد عمقاً ، يشير خبراء الاقتصاد إلى تغييرفي هيكلية التجارة ذاتها وخروجها عن المسار المرسوم . فإن أكثر من ثلاثة أرباع الصادرات الروسية إلى الصين عبارة عن مواد خام، وخاصة النفط الخام، والفحم والغاز ،والأخشاب. وتشكل سلع استهلاكية نسبة خمس وأربعون في المائة من المبيعات الصينية إلى روسيا، وثمانية وثلاثون في المائة منها ألكترونيات وشرائح ألكترونية ذكية متطورة ، وآليات ومعدات متنوعة.وما زاد من قوة التبادل التجاري هو توسع اكتمال العمل ، في خط أنابيب (قوة سيبيريا) للغاز الطبيعي، الفارق عبر تسهيل تصدير ما قيمته أربعمائة مليار دولار من المواد الخام الروسية إلى الصين، خلال السنوات الـثلاثين المقبلة.الجدير بالذكر أنَّ روسيا تحوَّلت باتجاه الشرق بعد أن فرضت الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي عقوبات اقتصادية جائرة بسبب ضمها إقليم القرم في أوكرانيا . أما الصين فإنها لم تستثمر بشكل مباشر في اقتصاد جارتها الشمالية، خلال الفترة من عام 2014 إلى عام 2018. أكثر من أربع وعشرون مليار دولار، في مقابل مائة وثمانية وأربعون مليار دولار في إفريقيا وتحديداً جنوب منطقة الصحراء الكبرى من ضمنها واحد وثلاثون مليار في نيجيريا وحدها، وثمان وثمانون مليار دولار في أمريكا الجنوبية منها أربع وثلاثون مليار في البرازيل، وغيرها من الاستثمارات حول العالم.
ولا تختلف السياسة الخارجية لجمهورية روسيا الاتحادية عن التجارة بينها وبين الصين . فالدولتان تقفان في معارضتهما القوية المعلنة للسيطرة والهيمنة الأمريكية على شؤون دول العالم ، وتؤيدان عالماً متعدد الأقطاب، ويبدو أنَّ الدولتان مصممتان على مقاومة تهديد محتمل ناتج عن تدخل الولايات المتحدة الأمريكية في مجالات نفوذهما. كما تتوافق الصين وروسيا على خطر يتهدد نظاميهما السياسي بسبب ما يعتبرانه (ثورات ملونة) مؤيدة للدول الغربية مستوحاة من الولايات المتحدة على وجه الخصوص إن لم تكن بتدبير منها. كما تصوت الدولتان في انسجام تام في الأمم المتحدة على الكثير من القضايا والمواقف الدولية .لكن هناك بعض القضايا المتعلقة بمنطقة الأوروآسيوية وهي منطقة مشتركة بين البلدين ولكلٍ منهما جهود كبيرة وسباق للوصول إلى العملاء من أجل حيازة الأصول الاقتصادية والتجارية والجيوسياسية لكل منهما لذلك تجدهما بالكاد متفقين حول ذلك بعيداً عن الأضواء الدولية .
في حقيقة الأمر هناك بعض المواقف الخلافية بين روسيا والصين كأي بلد في العالم ، فمثلاً امتنعت الصين عن دعم روسيا في قضايا ذات أهمية جيوسياسية كبرى بالنسبة إلى موسكو. فقد رفضت الصين الاعتراف باستقلال أبخازيا وجنوب أوسيتيا بعد الحرب الروسية الجورجية في عام 2008. كما اكتفت بالامتناع عن التصويت بدل استخدام حق النقض، على قرار أممي يدين استيلاء روسيا على شبه جزيرة القرم في عام 2018.وفي وقت لاحق، اتفق الرئيسان الصيني تشي جين بينغ والروسي فلاديمير بوتين على تنسيق التعاون ضمن الاتحاد الاقتصادي الأوروآسيوي، ومبادرة الحرير والطريق. ولكن على الرغم من استكمال بعض مشاريع البنية التحتية التي تنفذها الصين وكازاخستان، توقف عدد من المشاريع الروسية نتيجة مشاكل في التمويل المالي والمفاوضات حول بعض التفصيلات التكتيكية . 
تجدر الإشارة إلى أنَّ مغازلة جمهورية روسيا الاتحادية لليابان، عدوة الصين، عبر التلويح بشكلٍ ضمني باحتمال إعادة جزر كوريل الأربع التي استولى عليها الاتحاد السوفيتي من اليابان، عند نهاية الحرب العالمية الثانية وهي :جزيرة كوناشير ، وجزيرة إيتوروب ، وجزيرة صخور هامبوماي ، وجزيرة شيكوتان .  
 كما شهدت أروقة منظمة شنغهاي للتعاون وهي منظمة دولية سياسية واقتصادية وأمنية أوراسية ، تأسَّست في 15 أيار في شنغهاي على يد قادة من ستة دول آسيوية هي الصين وقيرغيزستان ، وكازاخستان ، وروسيا ، وأوزبكستان ، وطاجيكستان . شهدت بعض التوترات بين الصين وروسيا ، عندما دعمت جمهورية روسيا الاتحادية الهند، منافساً آخر للصين، للانضمام إلى منظمة شنغهاي للتعاون. وعلى الرغم من مظاهر الود التي تبدو جلية عندما يلتقي الرئيسان الصيني شي جي بينغ والروسي فلاديمير بوتين ، من المبكر الاعتقاد باحتمال تشكيل تحالف صيني روسي.مع ذلك، فقد أعلن صندوق الاستثمارالروسي المباشر للاستثمارات المباشرة إنجاز مرحلة مهمة من مشروع مد جسر السكك الحديدية بين روسيا والصين فوق نهر آمور، حيث تم ربط القسم الروسي بالصيني من الجسر.حيث يبنى المهندسون الصينيون جسر لفزيجيانج الضخم الذى يعتبر أطول جسر معلق أحادى في العالم بطول سبعمائة وثمان وتسعون مترًا، ويمتد بأربع حارات فوق النهر، كما يتواجد برج بارتفاع 156 مترا، ويعتبر هذا الجسر جزء أساسى من طريق سريع لربط المناطق النائية ببقية البلاد.وهذا أول جسر للسكك الحديدية بين روسيا والصين عبر نهر آمور، وسيسهم بعد تشغيله في تعزيز التجارة والتبادل الاقتصادي بين الدولتين، وذلك عبر ربط منظومة السكك الحديدية في شمال شرق الصين بنظيرتها في سيبيريا. ومن المتوقع إنجاز الجسر بشكل نهائي في شهر حزيران من هذا العام ، ويبلغ طوله 2169 مترا وسيربط الشرق الأقصى الروسي بمقاطعة هيلونغجيانغ في أقصى شمال الصين. ويتوقع أن تتجاوز السعة المرورية للجسر ثلاثة ملايين طن من البضائع ونحو مليون وأربعمائة وثمانون ألف مسافر سنويا بدءا من العام القادم 2022.يشار إلى أنَّ التجارة بين مقاطعة هيلونغجيانغ الصينية و جمهورية روسيا الاتحادية بلغت العام الماضي مائة وإثنان وعشرون مليار يوان صيني أي نحو 18.2 مليار دولار، وهي زهاء 17.3 في المائة من مجمل قيمة التبادل التجاري السنوي بين روسيا والصين.