الحياة برس - بعد غياب عنهُ في سفرٍ دام لأكثر من نصف عام، مرت علينا فيه تلك الشهُور كالدَهُرْ؛؛ وبعد العودة للوطن سارت قدماي، وحملتني مُسرعةً الخُطي شَوقًا لرؤيته، وحُبًا في رحِابه، وركَاِبِهِ؛ فلقد كانت نفسي تُواقة، ومشتاقة للنظر إليه، والسباحة فيه، والمشي على حَافة شاطئهِ، ورؤية أمواجه العاتية المتلاطمة؛ والزبد الأبيض حين يعلوها، ويعتريها، ثم سرُعان ما يذهُب جُفاءً؛ وأبَصرتُ الموج يعلوه، المُوج، وحينما رأيتهُ تنفست الصعداء طويلاً، واشَتَممت عَبق نسمات عليل هَواء الربيع، الخارج مباشرة من البحر، ففرحت روحي، ومرحت نفسي، وكأنها بلسم جروحي، ودواء نوحي، وتفسير لِسِر، وحي بوحي، وأطلت النظر مُتأملاً، ومتفكرًا فيما أرى، من مَرآي، وكأنني لا أري إلا الخلوي فلا سلوي ولا حلوي ولم أجد علي الشاطئ فحوي لنجوي ولم أجد حتي من أُناجي!. فشدني، وأشذاني، وهالني ما رأيت من خُلو شاطئ البحر من الناس فزادت بي أحزاني لما لقَيِتُ ذلك، وما سوَف أُلاقي بعد غيابي، وطُول فراقي، وكأنني تمَنَيتُ حينئذٍ أن تطوف روحي حتي تصل بي حَد التراقي!؛ وأخذُني قلبي، وعقلي بعيداً مُتدبرًا فيما لاقي الشعب من شدة الملاقي، وكأننا في الوطن أصبحنا معهُ في غُربةٍ، وفُراقيِ!؛ فَلا تَلاقي، وأصاب قلبي حنين صَبَابةٍ، وتساءلتُ: هل يا تري تغير المسَرى، ونسى البعض من شِدة المآسي، والأسي الأقصى!، وهل تبدل المجري، في ما جرى، وفي ما يجري؟!؛ وذادت حيرتي، وتاهت مسيرتي، في سيري، وسيرورتي، وسرحت طويلاً في البحر، والسماء مرةً تتلوها مرة، في ما آلت إليه أحوال الوطن، والمواطن، ورأيت بالبصيرة، مع البصر، والتبصر كأن الغيم بدى حزينًا في كبد السماء، وشاهدت بعض الحمام يحوم تحت الغمام، كأنه أمسي مثلنا حيران، وبين هذا وذاك طرق مسامعي صوت الأمواج الهادرة يعلو، ويَهفو صوتها الصادر، وكأنه كلام يخرج من الحناجر الجريحة المكلومة المخنوقة في غزة هاشم، تطن، وتزن في أذناي، كأنها تهمس قائلةً: متي تزول الغُمة، وتنقضي العتمة؛ ويتوحد الصف، وينتهي الانقسام، ويرفع الحصار، ويسود العمار، بعد الدمار، والحروب!!؛ وحَرتُ، في أحوال الساسة، والسياسة، ودارت بي تلك الدقائق كالرقائق مُسرعةً، ولازلت أمشي كالسواح، فَتارة تراني أنظر للسماء، ومن ثُم أسترق النظر لماء البحر، وما يحتويه في باطنه من كنوز، وأسرارٍ مكنونة، ومرةً أخري أنظر في الثرى، الجميل على حافة شاطئ البحر، فأري كبريق يتلألأ بين الموج، وشط الثري فتذكرتُ بعض الورى، فَبَدىَ لي، وكأن كل شيء بات حيران، على ما آلت له أحوال شعب فلسطين، وحال الأمة العربية والإسلامية، وقد اشتعلت الخلافات بين الإخوة الأشقاء، ورفاق الدرب وكأنهم أعداء!؛ وهُم يتنافسون بشراسة على بعض الكراسي، والمناصب والسعي للمكاسب!؛ فأطلت النظر مرة أُخري متفكرًا في اتساع السماء، وفي عُمق البحر، وتلاطم أمواجه، وظُلمات الواقع الصعب التي تكتنف، وتلف حياة الناس، وغياب بعضاً من راحة البال، وصلاح الحال، فوجدت منهم التقي، الذي يلتحف السماء، ومنهم النقي مِمن يفترش الأرض، ومنهم من مات حبًا لِلعَرش، ونسي النعش!؛ وأبصرتُ منهم الحائِر، والسائر، والخائر، والخاسر، والدائر، ومنهم المتملق المتسلق الماكر، ومنهم المُثابِرْ، والصابر، والجابر، ومنهم كالبحر فيه الكثير من الأسرار، فدَار بِخُلدي قوله سبحانه:" أَوْ كَظُلُمَتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّىٍّۢ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِۦ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِۦ سَحَابٌ ۚ ظُلُماتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُۥ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ۗ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُۥ نُورًا فَمَا لَهُۥ مِن نُّورٍ"".
الباحث والكاتب الصحفي، المحاضر الجامعي، والمفكر العربي، والمحلل السياسي
الأديب الأستاذ الدكتور/ جمال عبد الناصر محمد عبد الله أبو نحل
 عضو نقابة اتحاد كُتاب وأدباء مصر
 رئيس المركز القومي لعلماء فلسـطين