إدهاش القارئ لا يأتي من قوة الإقناع، ولكن بروح الكاتب وانفعالاته الداخلية الواعية والقادرة على إيقاظ ارتياعاته ونقلها ببساطة مجسداً شخوصه، أو كأنه الشخوص ذاتها، صاباً قدراً من الغيظ اللاهث لسطوره المتلاحقة والمتلاقية في شخصه وحملهم جزءاً من روحه، حيث تسطع الكتابة أكثر عندما تكون قادرة على إلهاب الآخر بأحاسيسنا ومشاعرنا وطموحنا.
 
يسعى الأديب الدكتور عبد الكريم عبد الصمد عبر مجموعته القصصية (من أين وإلى أين) الصادرة عن وزارة الثقافة دمشق 2002، يسعى لإخراجنا من الوضوح الساذج، والنبل المفترض لسير الوقائع، حيث جاءت قصصه التي وصلت إلى ست عشرة قصة تحمل بُعداً إنسانياً وأخلاقياً، تتردد بين الوقائع اللا مبالية، وبين الدوامات النفسية المصاحبة لها. ففي القصة الأولى من مجموعته التي حملت عنوان (رصاصة في لحم الكتف) يتحدث فيها عن حالة طالب يدرس في موسكو عاصمة الاتحاد السوفيتي السابق، ويعاني من الغربة والاغتراب التي هي سمة من سمات العصر، وما يعتريه من هلوسات نتيجة شربه الكحول وسماعه هلوسات أحد زملائه الطلبة وهو نائم يعيش كابوساً ملطخاً بالدماء والقتل وهو الذي شارك في إحدى المعارك العسكرية في براغ، والذي تعرّض للإصابة بالرصاص في كتفه، مما يوحي بأن القصة تدخل في عالم الإنسان وبنيته النفسية، والانعكاسات الحادة لواقع صعب قاس، مما يؤكد مدى اطلاع الأديب على هذه النموذج من الدراسات، فالقصة تحمل بعداً نفسياً محرضاً للتخيل يناغم الذاكرة، أي إن هناك اتصالاً باللاوعي والوعي معاً بشكلٍ تام مشابه للرؤية المنفتحة على إبداع قصصي ليصل بنا القاص عبر بهاء السرد النابض بجملة عبوراته، ببناء مناطق أنواره الإبداعية وسبره لأغوار النفس البشرية.
وفي قصة (رذاذ الشمبانيا) الذي يؤكد الكاتب في بداية قصته شاعرية العنوان، وحلم المرأة الغربية بالزواج واللقاء برجل شرقي، مستخدماً في هذه القصة اللغة الأدبية الجذابة المنداة بعواطف مشتاقة موعودة بالحب والفداء في عصر ما عاد فيه لا حب ولا فداء، ويبدو أن الأديب من خلال سبره لأغوار النفس البشرية، ومن خلال تبسيطه لردود الأفعال الحسية استطاع أن يدخلنا في جو الحدث الإنساني دون عناء يقول: (طرحت سؤالها الأخير ورفعت رأسها بحركة تمثيلية فبرز صدرها عامراً مثيراً، لم يُجب عن السؤال بل مد يديه إلى صدرها، أنّت بلذةٍ مالت إليه، شعره بأنفاسها اللاهبة تلفح وجهه، واختلجت الشهوة في نفسه) ص21.
وفي قصة (موعد) الذي اختلقه الكاتب.. ـ أي بطل القصة ـ مع نفسه في محاولة للهروب من جلسة أنثوية، إلى موعد مع نفسه، مع ضميره الذي ينام ويستيقظ، معبراً عن أنه إذا استيقظ ضميره فهذا يعني أن لا يكون جالساً معهن، إلا أن أنفاس مارغريت ولمستها الأنثوية ودعته يمضي ليلته على الشمعة الوحيدة الباقية التي ذابت ولم يبق منها إلا خيط واه من الضوء، إن هذه القصص التي تم تدوينها في موسكو تعبر عن حالات إنسانية عديدة، يؤكد من خلالها الأديب الحاجة الإنسانية العارمة للإنسان والتي يفتقدها في بلاده، بخاصة الفارق الكبير في العلاقات الاجتماعية، والتواصل المفتوح بين الرجال والنساء، وحالة الجفاف والعطش الروحي والجسدي عند الشرقي، في محاولة من الأديب عبد الكريم عبد الصمد أن يقدم لنا خبرته في القدرة على الولوج إلى الأعماق من أجل اكتشاف حالة الذات وارتباطه بالموضوع، وعلاقته بالجمال الكلي المطلق، وارتباطه من ناحية أخرى بالجانب المعرفي، وهذه الحالة تنشأ بين الوعي المكثف للماضي والحاضر، معبرة عن الغنى المعرفي والتي تتمحور حول رحابة الوعي الجمالي من حيث الانفعال بالفضاء الكوني الواسع، ومعرفة غنية بالحدس والرغبة في تجاوز المحدود إلى المطلق.
احتوت المجموعة على قصص عديدة حملت عناوين موحية مثل: (كوابيس، من أين وإلى أين التي حملت عنوان المجموعة، وقصة حكاية، وحدث في المستقبل، يفرجها الله، الكتابة الطبشورية أو بترول العرب للعرب، أغنية الثأر... الخ) راجع المجموعة. لقد جاءت المجموعة لتصل بنا إلى تطلعاتنا المشتركة من حيث قراءة الحالة الاجتماعية والاقتصادية وانعكاسها على السلوك اليومي للفرد وما ينغرس في بنية شخصيته وتركيبته النفسية، وبخاصة القصص التي كتبت في دمشق وحمص، فقد جاءت قصص المجموعة بأكملها تحمل بين طياتها قدرة على التأثير الفعّال الذي يشد النص إلى المتلقي، لذا فإن التذوق الطبيعي يقف في طليعة الاستجابة الإيجابية الأولى للتأثير الذي يمارسه النص القصصي والمنجز على الروح الحي. من هنا فإن التذوق الأصيل الذاتي هو الذي يغذي الوعي الروحي الصرف وذلك بغية اتخاذ النص القصصي في هذه المجموعة تربة خصيبة من شأنها أن تخصب الذوق الأصيل نفسه ـ حسب تعبير الناقد يوسف سامي اليوسف ـ لذا فإن الأديب عبد الكريم عبد الصمد يحفر من خلال مجموعته (من أين وإلى أين) مادته الأولى في معاش الإنسان العربي المعاصر الذي ينتمي إلى اشغالات واقعية وردود فعل إزاء ظواهره الأصيلة والطارئة حيث تتولد حياة القص من خلال التفاعل العميق بين الكائن وكونه المتغير والمصادم نتيجة تحولاته، بمعنى أن قصص الأديب عبد الكريم عبد الصمد هي فاكهة بيئته المحمولة على أسئلة كونية ممهورة صورياً بطبيعة البيئة التي عاش فيها، فقد جاءت بعض القصص تحمل توقيع موسكو عام 1978 ـ وأخرى دمشق 1981 مثلاً قصة حكاية، وقصة (حدث في المستقبل) حملت توقيع حمص 1981 وهكذا..
ينوء النص القصصي عند الأديب عبد الكريم عبد الصمد باللغة السردية التي تتواصل وتتقطع بحوارات ومنولوجات قصيرة وطويلة، سرعان ما تستفيق وتعود للسرد أو الوصف بل يصعب علينا أن نجزم من أين ينتهي الوصف ويبدأ السرد، أو هنا ينتهي السرد ويبدأ الوصف، وهو برشاقة يدخل ويخرج بكل ما يشاءه من إيحاءات وافتراعات أو استبدالات وأوصاف، دفقٌ حار يطغى عندما يصف وأكثر منه عندما يسرد ما أن يتسارع السرد حتى يعترضه الوصف ملطفاً باندفاعاته في الوقت اللازم، ومخففاً من جريان انفعالاته، وهو باستخدامه المكثف للغة ومعرفته الواسعة بقواعدها، فقد استخدم في قصص المجموعة أنماطاً لغوية للجملة الفعلية، مثلاً استخدام الفعل الناقص كان ماضياً ومضارعاً، واستخدام الاستفهام بـ (هل) و(أين) و(كيف)، كما استخدم الاستفهام بـ (لماذا) مع الفعل المضارع، واستخدم (لقد) مع الفعل، واستخدم الفعل الماضي مع واو الجماعة، واستخدم أحرف العطف بكثرة لربط الجمل الفعلية بعضها ببعض. أما الأنماط اللغوية الجملة الاسمية فقد استخدم الضمير المنفصل مبتدأ وخبره مفرد، والضمير المنفصل والخبر موصوف، الضمير المنفصل مبتدأ والخبر جملة فعلية، كما استخدم اسم الإشارة مبتدأ مع خبره، واسم الحرف المشبه بالفعل ضمير وخبره جملة فعلية فعلها مضارع.
وهناك في أسلوب التراكيب حرص الأديب عبد الكريم عبد الصمد على الأسلوب المباشر الذي يؤدي المعاني بأساليب متعددة أبرزها الشرط والتعجب والقسم والنفي والتأكيد، كما أن الأسلوب المباشر قد سار في منحنين، منحى الاعتماد على الجمع بين السرد والحوار في القصة الواحدة، ومنحى الاعتماد على السرد وحده. ويلاحظ المرء أن هناك سبع قصص اعتمدت على المنحى الأول، والوصف في المجموعة يضفي المتعة والإثارة أحياناً، ويرفع من وتيرة النص بمسلسل من الزفرات الحارقة المرصوفة بلغةٍ معدة لتكون أداة توصيل، وهي معدة أكثر لتكون امتياز العمل وأناقته الناهضة على لوحات أكثر، كما فيها الافتتان الراجف بجمالية لفظية ملونة بالعواطف وارتعاشات مسنونة على حد سكين بأناقة العارف بالمرأة.
مجموعة من أين وإلى أين تستدعي التوقف عند مفاتنها، تحيلنا إلى شرائح زمنية مقتطعة من تاريخ الذاكرة الجزئية، استطاعت أن تتحكم بأحوال من إدهاشات مخزنة بشحنة عالية توازي حجم الاندحارات العاطفية التي تعيشها، وتدفعنا إلى الانسجام في ثناياها دون تردد.