( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
 لم يتوقف الصراع المحتدم بين السلطة الحاكمة والفكر على مر التاريخ والعصور ،نهائياً . وما زال التاريخ يقتنصه
 على حين غرة ويثبته الواقع المُعاش، وكلما زاغت السلطة الحاكمة بعيداً عن الحق والعدل والشرعية والقوانين الناظمة ، كان الفكر من أشرس المتصدّين لها، فتجري في الخفاء نقاشاتٌ ومساجلاتٌ محتدمة بين القطبين، تم تدوين ذلك في مدوّنات التاريخ بأبعاده الزمنية المنظورة والقريبة والبعيدة، لتمنح الباحث الحصيف فرصاً كفيلة بنبش أسراره وتسليط الضوء على المخفي من هذا الاحتدام.
لذا نجد أنّ أوار المعركة يتسارع ويزداد باستمرار ولا ينحصر بالأساليب والطرق المادية كالتصفية الجسدية أو السجن أو النفي، وأقلّها التهميش والتعتيم عليه لأنّ المنهج السياسي يقوم على احتواء الآخر وهدفه ترويضه وتدجين كل ما يتصل بعملية الاحتواء والسيطرة لو صحّ هذا التوصيف، والفكر قد يكون الضحية الأولى للمواقف والأساليب السياسة البراغماتية والميديا الكوبليزية ، وفي نفس الوقت هو المقابل اللدود لها، ولن تخاف السياسة أحداً أو شيئاً أو مقابلاً بقدر ما تخشى سطوة الفكر وانتشاره وهيمنته ، وتسييره للعقل كما يشاء، بما يؤثث إرعابا للسلطة الخارجة على الشرعية والقوانين الناظمة وسلطة الحق والعدل .

لقد قرأنا الكثير الكثير ما كتبه وسمعنا الكثير مما قاله رجال السياسة عندما يكونون خارج السلطة، عن الذي يراودهم من أسئلة حثيثة ملحّة تفرض ذاتها بقوة ، مفادها ، لماذا تخشى السياسة الفكر، ولماذا يؤرقها الهدف الأهم بوضع الفكر تحت جناحها أو عباءتها أو بالأحرى تحت هيمنتها وأوامرها وبما يحمي سلطاتها وقوتها ، ثم ما الذي سيحدث عندما يُصبح الفكر تحت عباءة السياسة، إنّ خوف السياسة من الفكر تعود إلى كونه السلاح الأقوى والأمضى والأقدر من سواه على شل ألاعيب رجال السياسة ونهجهم البراغماتي ، الذين تلقوا دروساً هامة من كتاب ( الأمير ) لمؤلفه نيكولو ميكافيللي ، وكشفها على الملأ ما يؤدي بهم إلى السقوط في الهاوية بعيداً عن طموحهم وأحلامهم في الاستحواذ والسيطرة على فوائد السلطة غير القانونية.

هناك مئات بل آلاف من الأمثلة الفكرية التي يعجّ بها التاريخ، وحتى الواقع القريب أو الحالي، فهناك عقولٌ وشخصيات لقّنت السلطة دروساً لا يمكن أن تُنسى ، ولا تزال البشرية تحفل بصنائعها ونتاجها ،
ومن الأمثلة القريبةالهامة أنّ الفكر الذي تمنطق به العديد من القادة والمفكرين في العالم قد تركت أثارها في مفاصل وحقب عديدة من التاريخ، حيث لجأت السياسة إلى ابتزاز الفكر بطرق أقل ما يُقال عنها أنها وضيعة، وقد لا نخطئ حين نرصد هذه المساعي السلطوية في كثير من الإجراءات السياسية المحمومة الهادفة إلى إخضاع الفكر والسيطرة عليه ووضعه تحت سطوتها، وكما نعلم أنه يوجد بين الفكر والعلم ترابط قوي ووثيق، وعندما نبحث عن مثال فعلي وعملي ، فإنّ سياسة الاستعمار هي المثال الأوفر حظاً هنا.
ففي منتصف القرن الماضي قامت السياسة الأمريكية بأبشع حملة استغلال للعلم والفكر معاً، عندما أجبرت الأخير بالتفكير لإيجاد وسيلة تكسر شوكة العدو الياباني اللدود، الذي بدأت العلاقات اليابانية _ الأمريكية في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر مع البعثات الدبلوماسية المدعومة بالسلاح لقباطنة السفن الأمريكية جيمس غلين وماثيو كالبرايث بيري إلى شوغونية توكوغاوا. فقد بدأت التوترات بالتصاعد منذ عام 1931. حيث تسببت الإجراءات اليابانية ضد الصين في عام 1931 - خاصة بعد عام 1937 خلال الحرب اليابانية الصينية الثانية - في اتخاذ الولايات المتحدة، إلى جانب حلفائها بريطانيا وهولندا، قرارًا بقطع النفط والصلب الذي تحتاجه اليابان لغزواتها العسكرية. وما كان من اليابانيين إلا الرد بهجمات عنيفة على الحلفاء، وتشمل هذه الهجمات الهجوم المفاجئ على بيرل هاربر في ٧ كانون الأول عام ١٩٤١ الذي ألحق أضرارًا بالغة بالقاعدة البحرية الأمريكية في بيرل هاربر، وفتح مسرح حرب المحيط الهادئ إبان الحرب العالمية الثانية . 
 وبعد سجال حاد وصراع مرير في ساحات الوغى، أثبت فيه اليابانيون أنهم من المحال أن تنكسر إرادتهم أمام القوة الأمريكية الضاربة، عند ذاك قام العلم السلبي بتصنيع القنبلة الذرية وألقيت طائرات سلاح الجو الأمريكي أول قنبلة ذرية على مدينة هيروشيما وأخرى على ناغازاكي في الهجوم المدمّر . وكانت أول مرة في التاريخ يتم استخدام أسلحة الدمار الشامل ، وهو هجوم عنيف شنته الولايات المتحدة ضد الإمبراطورية اليابانية في نهاية الحرب العالمية الثانية في شهر آب من العام ١٩٤٥ هذا مثال منظور عما لجأت إليه السلطة باستغلالها الفكر العلمي بشكل خاطئ أو إجرامي من خلال استغلال العلم للقتل والتدمير .
    وفي تجارب أخرى كثيرة كان الفكر تابعاً للسياسة، وصار سبيلا لها حتى تستطيع أن تنفّذ أجنداتها وألاعيبها البراغماتية ، ولكن من جهة أخرى، كان للفكر صولاته وجولاته العظيمة لتلقين السياسة ورجالاتها دروسا لا تُنسى، فالفكر الذي أنتجه المفكرون والكتّاب الفرنسيون المحدثون، هو الذي مهّد الطريق واسعا أمام الثورة الفرنسية التي رسمت في وجه التاريخ الإنساني بصمةً عظيمةً وهامة ، فتحت آفاق الحرية بأوسع أبوابها في فرنسا ، واستفادت معظم دول العالم من تلك الدروس . وكان للفكر صولاته في مواجهة السياسة والإفلات من هيمنتها وسطوتها ، ومن هذا القبيل يستمر صراع الفكر مع قادة السياسة وطغاتها في أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا، وقد كان للمفكرين والكتاب من أصحاب العقول النافرة وقفةً عظيمةً للفكر ضد السلطة بكل أنواعها وتشكيلاتها .
من هؤلاء المفكرين الذين تصدّوا للسلطة وبطشها، المفكر والأديب والشاعر والصحفي والكاتب والدبلوماسي الغواتيمالي (ميغل أنخل أستورياس) صاحب رواية (السيد الرئيس) وهي رواية شهيرة كتبها عام 1946 وبفضلها حصل على جائزة نوبل في الأدب عام ١٩٦٧.
ورواية (السيد الرئيس)   رواية ساخرة يصف فيها حياة الشعب في ظل حكم دكتاتور لا يرحم.
وكان أنخل أستورياس من أوائل الروائيين في أمريكا اللاتينية الذي تناولوا موضوع الاستبداد وتبعه في ذلك كثير من الروائيين
، وتعد هذه الرواية علامة بارزة في أدب أمريكا اللاتينية، ومع ذلك فقد بقيت محجوبة عن الوطن العربي حتى عام 1985 ربما لتشابه ظروف الرواية مع أحوال وظروف معظم الدول العربية التي تتمتع بالاستبداد والطغيان والتي يحكمها طغاة ورويبضة ، وقد استمد أستورياس مادة روايته من سنوات حكم ( مانويل خوسيه استرادا كابريرا) الذي حكم بلده غواتيمالا لعشرين سنة من ١٨٩٨ إلى ١٩٢٠ حكماً دكتاتورياً غاشماُ، بيد أنّ المؤلف( ميغل أنخل أستورياس ) عَمد إلى الصور البلاغية الجديدة في تصوير شخصياته وغلّف روايته بستار شفاف من السخرية والواقعية السحرية، ومستفيداً من فولكلور السكان الأصليين للقارة ، مما جعل من هذه الرواية درّة أعماله ، وقد حملت فكراً ساخراً ثوريا عجّل بسقوط الدكتاتوريات في أمريكا اللاتينية. ومن أعماله أيضاُ رواية الريح القوية . فالسلطة الحاكمة تنظر بخوفٍ وتوجُّس نحو الفكر، وتعتبره بمثابة رأس الأفعى السامة ، إذا تمّ بتره ستكون بأمان ودون قلقٍ أو توجّس، وستحصل على كل ما تريده بقوة القمع والبطش السلطوي، لكن يبقى الفكر من ألد أعداء السياسة القمعية والساسة الطغاة المستبدون، وتُعلن الحرب والسجال بين الفكر من جهة، وبين السياسة وطغاتها ومنهجهم البراغماتي الذي يخلو في كثير من الأحيان من الاخلاق السامية .
     من جهة أخرى، وفي الأغلب الأعم تطول الهزيمة السياسة والطغاة المستبدين ، ولم يسجل التاريخ ولو في حالةٍ واحدةٍ فوزا للسياسة على الفكر، إلا في حالات الابتزاز والاستبداد والقمع الذي سيزول حتماً ، حيث تنتهي دورة الصراع دائما بهزيمة السلطة، وتفوُّق الفكر عليها في آخر المشوار.

لكن علينا أن نكون واقعيين ونتبنى الموضوعية في رسم أبعاد هذا الصراع المحتدم بين الفكر والسلطة الحاكمة ، فنقول لابدّ في النهاية أن نعترف بأنّ الفكر حين يكون تحت مظلة وجناح السياسة، تتراجع الشعوب وتتقهقر ويتمشى الجهل والفقر والمرض ، وتضمحل الأمم وتنسحق ، وإن حدث العكس، حين يأخذ الفكر مداه بشكلٍ كامل، و يأخذ حريته المطلقة في العمل والتأثير والانتشار، فلن يكون هناك أحد قادر على مواجهة هذا التأثير وهذا الامتداد، حتى أبشع السلطات وأقواها وأكثرها دمويةً وبطشاً، لن تكون قادرةً على إدارة دفة الصراع مع الفكر المتوقّد إلى الأبد ، من المحتّم أيضاً أنه سيلوح في الأفق خط النهاية التي سوف تسقط فيه السلطة الحاكمة مهما كانت قوية لصالح الفكر النضر .