( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
من المفترض أن تكون وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة محطة لطيفة لتبادل الآراء والتحاور من جهة، ومحطة للّقاء القصير من جهة أخرى لكنها لا تُغني عن اللقاء المباشر أبدا. 
 وأيضا تٌعتبر هذه الوسائل عامة مجالا لطرح المواعيد والمناسبات والاعلانات، إضافة للتعبير عن الاهتمامات والرؤى والافكار، وغيرها من المزايا.
 ولكن حقيقة الأمر فإن الوسائل التواصلية الحديثة في ظل الادمان الحاصل من الكثيرين عليها قد تحولت لنقمة وغصة بالحلق، بدلا من أن تكون نعمة تقرب الأفكار والمسافات وتوسع المساحات بدلا من أن تضيقها..
  في البدء أضحى الناس أسرى جوالاتهم، هواتفهم الذكية! النقالة، لا يستطيعون اغلاقها! وكأن كل منهم مدير شركة عالمية ستنكسر إن لم يكونوا حُراسا أمناء للمكالمات لاربع وعشرين ساعة؟ سبعة أيام بالأسبوع.
وقد نرى أن كل واحد من هذه الفئة المدمنة بات ينتظر رنين الهاتف ليخبره المذيع الفلاني أنه فاز بمليون دولار؟ أو فاز برحلة الى باريس أو نواكشوط!
الحالمون من هذه الفئة لا يكفون عن الحلم بنانسي عجرم أو مثيلاتها من الشخصيات التي تنال الاعجاب اكانت فنية أو ثقافية او سياسية، فلربما تكون نانسي قد فكرت به هنيهة، فتبقى كل الوسائل الاتصالية بالجوال مفتوحة إذ ربما تتصل لتتغزل بجماله!
 ولربما ظن حارس الهاتف الأمين هذا -أو الوسيلة أيها كانت- أن الرئيس رئيس دولته أوملكها أو أميرها يفكر به ليل نهار ولربما سيتصل به ليعينه وزيرا!
لا..يا سيدي،لن يتصل بك أحد! حتى لو خرقت السماء وصعدت الجبال، ولن يتقدم أحد ليشكرك على منشورك الجميل العليل على حائطك الفيسبوكي، تواضع قليلا، فلا تأمل، ولا تنتظر، وأرح رأسك وأغلق الهاتف.
 وسائل التواصل المتخمة بالتعليقات والمنشورات والمشاركات وتطبيقاتها مثل "فيسبوك" و"تويتر" و"لنكد ان" وما شابهها تحولت الى حاوية أو مكب نفايات للكثير من المرضى النفسيين الذين يتوهمون بأنفسهم العظمة أو الشهرة أو أن كل نساء الأرض تحبهم، وكأنك ترى منهم نابليون أو خالد بن الوليد أوحنّابعل أو أبومسلم الخراساني ممتشقا سيفه، وما هو الا "دون كيخوت" يحارب طواحين الهواء، فاستفق.
 تحولت هذه الوسائل في جزء كبير منها مرتعا لذوي الأفكار العدمية، أو مرقدا لأمناء مدرسة الإشاعة والأكاذيب المفتوحة على مصراعيها لهم وللأعداء، نعم للأعداء يبثون سمومهم منها وفيها وعبرها.
لقد تحولت أيضا إلى متنفس لأصحاب الأجندات الخفية والحسابات الوهمية بمنشوراتهم المربكة أو المخلخلة للأفكار فيلجون عبرها بخفة وسلاسة في عقولنا والأرواح، لنفغر أفواهنا ونقول دون تروي أبدا: أليس كذلك، أو ربما! أووالله صحيح!.
كما تم اتخاذها منصة لأولئك من المنحرفين عقليا أو نفسيا مقابل القِلّة من العقلاء في الطرح أوالاستخدام أو الاستثمار.
 الأدهي والأمرّ أن معظم رُكّاب هذه الوسيلة الاتصالية أو تلك يتبعون -وربما عن غير قصد- الجهلاء، ويصعدون بخفّة الى مركب الجهلة أو السفلة أو المنحطين نفسيا وفكريا ما يمكن أن يطلق عليهم بالشراذم أو الغوغاء فينجرون وراءهم كالإمعات-الذين حذر منهم رسولنا الكريم- إذ ينجرون وراء أي خبر أو إشاعة أو لقطة مرئية أو صورة لا تحتمل من الحقيقة شيئا! ولكنها تخاطب فيهم الغرائز والهبل والتفاهة فيطيشون! على شبر ماء ويقومون بنضالهم الفيسبوكي بتعميم الترهات
أفكار الأتباع المنقادين للآخرين رمادية اللون، وهم بذلك يحملون فكرا مرتبكا بطبيعته، ومهتز لا صلابة فيه ولامتانة، وكيف لها أن تكون كذلك وهم كالقشة في مواجهة الريح تحركهم أينما شاءت!
 فكر الأتباع المنقادين كالريشة، فكر انقياد بلا لجام من العقل، وبلا حصانة يحققها الإيمان والتأمل والتدبر، ما يؤدي بهم للقيام بترويج ما أربكهم وكأنهم يروجون لآية من آيات القرآن الكريم.
كيف لمن طلّق الكتاب الورقي أو الالكتروني، وكيف لمن طلّق القراءة، وخصى الثقافة فيه، أن يفترض بجُملٍ مصاغة بشكل غير مفهوم، وبدون أي عمق فكري أو مرجعية موثوقة أن تكون حَكَما أو أن تكون مرجعا؟
 إن الوعي لا يكتمل بحصر مجموع الجُمل المنثورة على الوسائل، وتداولها، وإنما الوعي حصيلة التعليم والثقافة والثقة بالمراجع، وبالقراءة والتمعن والتدبر والتأمل والتفكر، وبالتجربة، وذلك ما ألزمنا الله سبحانه وتعالى به في آياته المحكمات.
 إن تكلمنا عن "واتس أب" كنموذج وأخواته الكالحات من وسائل، فان الاستنزاف اليومي بل اللحظي كل دقيقة، حيث يرن الجهاز في عقلك كل حين بلا استئذان أو "إحم أو دستور"! فما العمل والاستنزاف العنيف للذهن، والعاطفة، والوقت يظهر جليا عاريا دون أي قطعة قماش تغطي عورته!
  بدلا من أن تصبح هذه الوسائل عامل تقريب وانفتاح وتحابب وألفة لا تُغني مطلقا عن الاتصالات المباشرة، والمواجهة الشخصية تتحول الى مساحة تقاتل وتشاحن وتلاعن وقطيعة، والى مساحة تبادل التعصبّات والتحيّزات دون أدنى قبول، أو تقبل لآخر.
كل ما سبق عن الاستخدام المنفّر والبغيض أو المهزوز لهذه الوسائل واستنزاف الجهد والوقت والطاقة لا يعني أن كل المستخدمين لهم من الأوصاف السلبية ماذكرت، قطعا لا .
 نجد هناك من أصحاب التوازن العقلي والروحي الواعين الحريصين على عقلهم وعواطفهم وروحهم وجهدهم الكثير، فلا يجعلون الآلات وضغط الوسائل تقبض أرواحهم قبل الأوان، ولا يتكتّفون كالتلاميذ -أمام هواتفهم النقالة وتطبيقاتها الكثيرة- يخافون ضرب العصا أو التلاشي إن أغلقوها.
المتزنون لا يزأرون أو يعوون حين تنقطع الشابكة (انترنت بالانجليزية) عن البث، فلم يستطيعوا أن يردوا على رسالة تافهة مكررة يوميا على "واتس اب" واخواته النحيلات.
 المتزنون الذين حفظوا أرواحهم وعقولهم ولم يتركوا للادمان أن يفعل فعله فيهم، ولم يدعوا لاستنزاف الطاقة والجهد أن تجعلهم أسرى كليا، لهؤلاء أقدم كل التحية والاحترام وأشد على أياديهم، فلربما يصبح الطلاق من "واتس أب" قريبا.
بكر أبوبكر
كاتب وأديب عربي فلسطيني
في الفكر والدراسات العربية والاسلامية
Baker AbuBaker
Palestinian Author & writer
Arab Thinker