( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
على الرغم من أنَّ فرنسا دولة علمانية فإنَّ الديانة المسيحية هي أكبر ديانة في فرنسا ، كما ما تزال الأعياد الدينية الكاثوليكية تحتل مكانةً كبيرةً في فرنسا ويتم التعامل معها كعطل رسمية وطنية . فالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لم يستطع إخفاء توجهاته اليمينية المتطرفة عندما تحدَّث عن أزمة حادة بين المسلمين والفرنسيين. وهو أحدث مثال على رجال السياسة الرئيسيين الذين ينحدرون من اليمين المتطرِّف . 
لقد استغلَّ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حادثة جريمة الشيشاني الخطيرة جداً ، ليصبَّ الزيت على نار رهاب الإسلام (الإسلاموفوبيا) التي كانت متوهِّجة في فرنسا وكأنها جمر تحت الرماد ، والتي أجَّجها الرئيس الفرنسي ماكرون قبل أيام عدَّة بخطبته ضدَّ ما أطلق عليه ( النزعة الانفصالية الإسلاموية ) وهي تسمية غير مقبولة إسلامياً على الإطلاق ، وتساهم بشيطنة المسلمين وجعلهم جسماً غير مندمج وغريب عن الأمة الفرنسية ، مع العلم أنَّ فرنسا تدَّعي العلمانية وتتغنى بها بل وتغالي فيها . وتعمل على الفصل الصارم بين الكنيسة والدولة التي بموجبها تكون الحياة العامة في فرنسا علمانية تماماً . وعلى الرغم من أنَّ فرنسا دولة علمانية فإنَّ الديانة المسيحية هي أكبر ديانة في فرنسا ، كما ما تزال الأعياد الدينية الكاثوليكية تحتل مكانة في فرنسا ويتم التعامل معها كعطل رسمية وطنية . 
لقد كانت حال الجريمة بعد الخطبة بمثابة ضوء أخضر لحملة قمعية واسعة النطاق طالت جماعات إسلامية ، وجماعات متطرفة ومناهضة لرهاب الإسلام وغير إسلامية ، ولا ترتبط غالبيتها بالإرهاب ، بل هي حملة واسعة انتقل معها الإرهاب المنظَّم من صف مرتكبي الجرائم البشعة التي يستنكرها الشعب الفرنسي . كالتي استمرت طيلة السنوات الستة السابقة إلى صف الدولة والحكومة الفرنسية إزاء سكان البلاد المسلمين . وهي هدف وغاية أعلنتها السلطات الفرنسية بشكلٍ صريح وواضح على نغمة (الإرهابيين ) المعتادة والتي تبرِّر لجوء الحكومة والسلطات الأمنية إلى ممارسات إرهابية وحشية تتجاوز دائماً نطاق الإرهابيين المزعومين التي تتمنى إرهابهم لتشمل محيطهم الثقافي وتجمعاتهم ومجتمعهم بأكمله . فقد أعرب إيمانويل ماكرون عن تحذيره من أقلية من مسلمي دولة فرنسا الذين يقدَّر عددهم بنحو ستة ملايين شخص ، يمكن أن يشكِّلوا مجتمعاً مضاداً وأنَّ الإسلام والمسلمين يواجهون أزمة خانقة في جميع أنحاء العالم قبل الكشف عن خطة مدروسة بعناية لمعالجة ما اعتبره ( مجتمعاً موازياً ) في فرنسا ، مع أنها ليست جديدة في فرنسا التي تضم أكبر عدد من المسلمين في أوروبا ، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون له هدف آخر فريد ،وهو التلويح بأوراق اعتماده المتشدِّدة والمتزمتة على الإسلام في بيئة سياسية شعبوية ، على حساب المسلمين الذين هم أقلية فرنسية تعاني عقبات وصعوبات بالفعل . 
 إنَّ حرية الرأي والتعبير لا تعني حرية استفزاز المشاعر بلا قيود وعن قصد ، كما تعترف به التشريعات والقوانين الفرنسية التي تحظر التعبيرات العنصرية المعايدة لليهود ، بل وحتى اللحظة الراهنة تلك المعادية للسود ، لكنَّها تسمح في الممارسة تلك المعادية للإسلام والمسلمين . أما تبرير ذلك فيأتِي بذريعة الدفاع عن حرية التعبير وتعتريه تناقضات عديدة ، إن كانت هذه الأفكار من أحرّ المدافعين عن حرية الرأي والتعبير ، بما فيها حرية نقد الأديان التي تشكِّل محك حرية التعبير . ، كما يشهد عليه تاريخ البشرية إذ نمت حرية الرأي والتعبير في كل مكان في صراعٍ ضدَّ كبتها وخنقها باسم الدين . غير أنَّ حرية الرأي والتعبير لا تعني البتة حرية استفزاز المشاعر. والأحاسيس عن قصدٍ وبلا أي قيود ، كما تعترف به الشرائع والقوانين الفرنسية التي تحظر التعبيرات والمفاهيم العنصرية المعادية لليهود ، بل حتى هذه الأيام التي تشهد المعادية للسود ، لكنها تجيز في السلوك والممارسة تلك المعادية للإسلام والمسلمين . ونحن في هذا المقام نتصوَّر لو جاء أحد المدرِّسين برسومات كاريكاتورية معادية لليهود ، كما شهدها التاريخ منذ الزمن الفاشي ليشرح لطلابه ( حرية التعبير) لانقلبت كل المعايير السياسية والاجتماعية وحتى الأمنية ، ذلك أنَّ فرنسا أدركت بشاعة النزعة اللاسامية ، أي معاداة اليهود ، التي كانت منتشرة فيها حتى نهاية الحرب العالمية الثانية ، والتي فتحت المجال لسلطات فيشي تشارك في الإبادة الجماعية النازية لليهود ، لكنَّ فرنسا لم تتذكَّر ولم تتفهَّم بعد لبشاعة النزعة المعادية للإسلام والمسلمين التي جعلتها ترتكب جرائم كبيرة جداً طيلة تاريخها الاستعماري . كل هذا يقودنا إلى التساؤل حول كيف تدَّعي فرنسا محاربة النزعة الانفصالية الإسلاموية ، وتزكي قيام مدرِّس بدعوة طلابه المسلمين الذين تنفِّرهم الرسوم الكارياتورية التي ارتأى عرضها إلى مغادرة قاعة الدرس ريثما ينتهي عرض اللوحات ؟ من وجهة نظرنا نرى مثل هذا التمييز هو الطائفية بعينها وهي في الوقت نفسه نقيض العلمانية التي تصبو إلى صهر أبناء الأمة في بوتقة قومية ، واحدة تتخطى الفروقات العرقية والدينية بينهم ؟ . 
من المفارقات الهامة أنَّ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فشل في إدراك ومعرفة أنَّ المبدأ الأساسي للفصل بين الكنيسة والدولة في فرنسا العلمانية ، وحياد الدولة الفرنسية تجاه الدين المنظَّم ، يمنعه في الحقيقة من الانخراط في ما هو في الأساس خطاب ديني خاص بمجتمع ما ، لكن هذا الوضع أخطر بكثير من ذلك . متذكرين ما تم نشره في صحيفة الغارديان مقال بعنوان : ( أسطورة أورابيا : كيف أصبحت نظرية المؤامرة اليمينية المتطرفة سائدة ) ، لكن هذا الموضوع وهذه الفكرة كانت موجودة منذ عشرين عاماً من الزمن ، وصاغتها جيزيل ليتمان التي نعرفها باسم ( بات يور ) بالعبرية والتي تعني ( بنت النيل ) المولودة عام 1933 وهو الاسم المستعار الذي تستعمله المؤرخة والكاتبة والمعلِّقة السياسية البريطانية جزيل ليتمان . وهي متخصصة في الكتابة بشؤون الأقليات اليهودية والمسيحية في منطقتنا العربية .وهي التي تلقت الكثير من النقد الأكاديمي والانتقاد السلبي لفضح مفهومها ، كما دعت إلى تبني اليمين المتطرِّف بما في ذلك القاتل المجرم النرويجي أندرس بيرينج بريفيك . هذه العملية تعتبر من أخطر العمليات التي تجري على العقل لأنَّها مزيفة زيفاً بسيطاً للغاية ، وهو أنَّ المسلمين يعيشون في أوروبا للانخراط في حرب ثقافية لقلب الأخلاق والقيم الأوروبية ، وعلى المنتمين للديانة المسيحية من البيض القتال لإنقاذ حضارتهم . وهنا نتساءل .. من هو المسؤول عن بدء هذا الخطاب في فرنسا ، أليس النقاد والمفكرين وأصحاب الرأي أمثال إريك زيمور ، والمؤلف رينو كامو الذي صاغ النظرية الخطيرة بعنوان ( الاستبدال العظيم ) التي باتت مصدر إلهام ومرجعية لكثيرين في أقصى اليمين المتطرِّف في جميع أنحاء العالم ، وتعدُّ تصريحات الرئيس الفرنسي ماكرون الصارخة دليلاً إضافياً على هذا التعميم الخطير . 
إنَّ التعصٌّب ضد الإسلام والمسلمين هو نموذج يتعلق بالبزنس في فرنسا ، وقد لا يكون اليمين المتطرِّف في الحكومة في فرنسا لكن روحه وأفكاره موجودة بالتأكيد . ونحن من خلال متابعتنا لمجريات السياسة الفرنسية لم نجد ولا مرة واحدة أنَّ إيمانويل ماكرون يذكر خطر التفوٌّق الأبيض واليمين المتطرِّف ، إنَّ تصوير الإسلام والمسلمين كمشكلة في المجال العام في فرنسا يؤتي ثماره في صناديق الانتخابات . ليس في فرنسا وحسب ، بل في أوروبا ، وقد يفوز إيمانويل ماكرون بولاية ثانية ؟ ولسوء الحظ سيدفع السكان المسلمون الفرنسيون الثمن باهظاً .